ولا تعد مناقبه، وتحد الغيوم، ولا تحد سواكبه، مع حب أشربته له النفوس وشربته، على هلال جبين ما مثله شفاه الكؤوس، وقرب من الناس ينأى مداه، ويشأى الغيث جداه، وما علمه واحد بل شتى، ولا فضله إلا ما يفنى، مع آداب لا لغو في كأسها، ولا تأثيم، واطراب لا حرج فيها وتحريم، وإنّما هي جنى جنات قطوفها دانية، وصفوفها متدانية، وشنوفها لا تقرط بها حسناء، ولا تجد غنى غانية، نهلة من العرب جرعها وذروة من الأدب فرعها، ومروة من الشعر نحو صفا المُشَقَّر قرعها، بأبيات مأهولة نفح فيها الروح، ونفح بينها النسيم كأنها الخيام بذي طلوح.
كان يحفظ ديوان هذيل، ويلفظ أشهر من سهيل، وكانت له فراسة هي فراسة المؤمن التي لا تخطئ، وظنانة هي كمخيلة النوء لا تبطئ، سكن مكة المعظمة حيث شرب للعلم ماء زمزمها، وطلع قمرًا في أفق مأزمها، ثم استوطن مصر يزيد على نيلها في وفائه، وعلى مقطعات خلجها في صفائه، وانتشر هنالك علمه الغزير، وتوارى في سرار ترابها بدره المنير، ودفن بها بالقرافة حيث هو الآن القبة المعقودة، وآثار الجود الموجودة، ولوامع البركات الباقية المشهودة.
كان الشافعي ﵀ كثير المناقب، جم المفاخر، منقطع القرين، اجتمعت فيه العلوم بكتاب الله سنة رسوله ﷺ، وكلام الصحابة وآثارهم، واختلاف أقاويل العلماء، وغير ذلك من معرفة كلام العرب، واللغة والعربية، والشعر حتى إن الأصمعي مع جلالة قدره في هذا الشأن قرأ عليه أشعار الهذليين ما لم يجتمع في غيره، حتى قال أحمد بن حنبل: ما عرفت ناسخ الحديث ومنسوخه حتى جالست الشافعي.
وقال أبو عبيد القاسم بن سلام ما رأيت رجلًا أكمل من الشافعي.
وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: قلت لأبي: أي رجل كان الشافعي، فإني سمعتك تكثر من الدعاء له؟ فقال: يا بني الشافعي كالشمس للدنيا، وكالعافية للبدن، فهل لهذين من خلف، أو عنهما من عوض.
وقال أحمد: ما بت منذ ثلاثين سنة إلا وأنا أدعو للشافعي، واستغفر له.
وقال يحيى بن معين: كان أحمد بن حنبل ينهانا عن الشافعي، ثم استقبلته يومًا، والشافعي راكب بغلة، وهو يمشي خلفه، فقلت: يا أبا عبد الله تنهانا عنه، وأنت تمشي خلفه؟! فقال: اسكت لو لزمت البغلة انتفعت.
وحكى خطيب بغداد في تاريخه: أن أمّ الشافعي لما حملت به رأت كأن المشتري خرج من فرجها، حتى انقض بمصر، ثم وقع في كل بلد شظية، فتأول