ولم يعتمر فقرن بين الحج والعمرة عن غيره كان الجميع عن نفسه، لأن القران كالنسك الواحد فلم يجز أن يقع بعضه عنه وبعضه عن غيره، والله تعالى أعلم بالصواب».
وقال أبو المظفر السمعاني في الاصطلام (٦٠٢/ ١): «من عليه فريضة الحج إذا نوى التطوع يقع عن الفرض عندنا وعندهم: لا يقع. وعلى هذا: لا يجوز للصرورة أن يحج عن غيره. وعندهم: يجوز»، ثم احتج بالأحاديث التي أوردها الدارقطني في سننه، ثم قال:«والمعنى: أن وقوع الحج المنوي عن فريضة نوع نظر من الشرع للعبد، وقد ورد مثل هذا النظر في الحج بدليل أنه لو أطلق النية فإنه يقع عن الفرض، ونية المطلقة ونية النفل واحد؛ لأنه ليس للنفل وصف زائد على مطلق العبادة.
وقولهم: إنها نفل؛ معناه: ليس بفرض، ولهذا المعنى في جميع العبادات إذا أطلق النية تقع عن النفل، ولكن إذا أطلق نية الحج يقع عن الفرض نظراً من قبل الشرع، كذلك إذا طاف النفل وعليه فريضة الطواف يقع عن الفرض أيضاً، وإنما كان هذا التخصيص من النظر للعبد في أمر الحج، لأنه عبادة شاقة ويحتاج في أدائها إلى كلف شديدة وقطع شقة بعيدة، وتحمل مؤنات كثيرة؛ على ما ورد به نص الكتاب، فقال تعالى: ﴿لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنفُسِ﴾، ولا يجوز أن يقال: إن هذا في حق بعض الناس دون البعض، لأن هذا موجود في حق أكثر الناس وإنما يوجد العدد اليسير حضوراً لحضرة الكعبة، فأما عامة الناس فإنهم يدانونه من البعد ويضربون أكباد الإبل ويقطعون المفاوز البعيدة والبراري الشاسعة حتى يصلوا إلى الحج، فاحتاج لهذا المعنى من عليه الحج إلى نوع نظر من قبل الشارع فكان من النظر أن منع من عليه فريضة الحج أن يقصد النفل منه، وعين عليه الفرض، ثم اكتفى منه بنية أصل الحج، وألغى كل وصف يضمه إليه مما لا يلائم صفة الواجب عليه؛ من وصف نفل، أو نية عن الغير، أو نية نذر، وما أشبه ذلك، فصار الحج في هذه الصورة مثل الإسلام المفروض، ولو أسلم بنية النفل أو أسلم عن الغير فإنه يكون إسلامه عن الفرض الذي عليه بكل حال، كذلك ههنا».
وقال القدوري في التجريد (١٦٥٧/ ٤): «ثم إن متن هذا الحديث مختلف، وإن كان في أصل الحديث: «افعل هذه عنك»، فهذا يدل أنها لم تقع عنه لاستحالة أن يأمره بفعل ما قد وقع، فدل على أن الإحرام انعقد عن شبرمة، فأمره رسول الله ﷺ بفسخه؛ لأن ذلك العام كان يجوز فسخ الحج، فأمره بفسخ ما وقع على وجه مكروه، وبفعل الحج الذي لا يكره.
فإن قيل: قوله: «اجعل هذه»؛ يعني: التلبية؛ لأن الكناية ترجع إلى المذكور.
قلنا: هذا غلط؛ لأن في الخبر أنه سمع رجلاً يلبي عن شُبْرمة، قال:«فهل حججت قط»، قال:«اجعل هذه عنك»، والكناية ترجع إلى الأقرب، يبين ذلك: أن قوله: «اجعلها» أمر فيحمل على الوجوب.
وعندهم التلبية غير واجبة، وعلى أنا نرد الكناية إلى جميع ما تقدم، وقد تقدم ذكر التلبية وذكر الحج».