والتبعة فيه ليست على يزيد بن عبد الله بن قسيط؛ فإنه: تابعي، مدني، ثقة، من الطبقة الرابعة، والحمل فيه عندي على أبي صخر حميد بن زياد الخراط المدني، فإنه: ليس به بأس، وله أوهام يخالف فيها الثقات بسلوك الجادة [انظر: علل الدارقطني (١٠/ ١٨٩٤/ ١٠٣) و (١٠/٣٨٠ /٢٠٦٦)]، كما هو حال من خف ضبطهم، كما أنه قد أنكرت عليه أحاديث لم يتابع عليها [راجع ترجمته في فضل الرحيم الودود (١٤/٣١٥ /١٢٨٩)].
ولو نظرنا إلى تصرف مسلم في صحيحه لتبين لنا بجلاء أنه أراد إعلال حديث ابن قسيط، وليس الاحتجاج به:
فإن مسلماً استفتح الأحاديث الدالة على موضع الإهلال: بحديث مالك عن موسى بن عقبة عن سالم عن ابن عمر فساقه تاماً في الإهلال من عند مسجد ذي الحليفة (٢٣/ ١١٨٦)، ثم أعقبه بحديث حاتم بن إسماعيل عن موسى بن عقبة عن سالم عن ابن عمر فساقه تاماً مثله (٢٤/ ١١٨٦)، ثم أعقبه بحديث مالك عن سعيد المقبري عن عبيد بن جريج عن ابن عمر فساقه بتمامه (٢٥/ ١١٨٧)، ثم أعقبه بحديث ابن قسيط عن عبيد بن جريج (٢٦/ ١١٨٧)، فاختصره، ولم يسق لفظه، وإنما أشار إلى مخالفته لحديث سعيد المقبري في قصة الإهلال، وهو موضع الشاهد من إيراد الحديث في الباب، بل أتى بلفظ ظاهر يبين مراد مسلم من إعلاله حين قال:«بهذا المعنى إلا في قصة الإهلال، فإنه خالف رواية المقبري»، وهذه عبارة ظاهرة في الإعلال، وتوهيم راوي الحديث في هذه الفقرة من المسائل الأربع التي سألها ابن جريج لابن عمر، ثم أعقبه بحديث عبيد الله عن نافع عن ابن عمر في إهلال النبي ﷺ إذا وضع رجله في الغرز وانبعثت به راحلته (٢٧/ ١١٨٧)، ثم حديث صالح بن كيسان عن نافع عن ابن عمر (٢٨/ ١١٨٧)، ثم حديث الزهري عن سالم عن ابن عمر (٢٩/ ١١٨٧)، وختم به الباب.
فتبين بذلك أن مسلماً أراد إعلال هذه الرواية، وبيان أنها شاذة مردودة، وقد تبعه على ذلك: أبو عوانة، وأبو نعيم، والله أعلم.
وقد رواه أبو صخر حميد بن زياد الخراط عن ابن قسيط عن عبيد بن جريج عن ابن عمر؛ بسياق مختلف عن رواية الثقات:
فقد روى هذا الحديث بغير هذا السياق خاصة موضع الشاهد منه: مالك بن أنس إمام دار الهجرة، رأس المتقنين، وكبير المتثبتين، وعبيد الله بن عمر [ثقة ثبت]، وابن جريج [ثقة حافظ]، ومحمد بن عجلان [صدوق]، ومحمد بن إسحاق [صدوق]، وغيرهم:
عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن عبيد بن جريج، عن ابن عمر ﵄، وقد تقدم لفظه.
وموضع الشاهد منه: وأما الإهلال: فإني لم أر رسول الله ﷺ يُهِلُّ حتى تنبعث به
راحلته. وفي رواية: فإني رأيت رسول الله ﷺ إذا وضع رجله في الغرز واستوت به راحلته أهل. وفي رواية: رأيت رسول الله ﷺ لا يهل حتى تنبعث به راحلته.