[٣٥] دولة الظاهر (١) بأمر الله، أبي نصر محمد بن أحمد الناصر
وتقدم له في ذكر أبيه أَرَجٌ لا يركد نسيمه، وترك روضٌ لا يُمَلِّ شميمه، ووصف طود لا يُرقى صاعده، وبحر لا يتعب وارده، وسحاب لا يعيا رائده، ومقسط يأتي يوم القيامة على منبر من نور، ومنصف لو أبهم عليه وجه الحق لشقّ عن سنا فجرِهِ قلب الديجور، كان إمام عَدْلٍ وغمام وَبْلٍ، وقيم دين، وضيغم عرين، وكافلًا بإزالة كل شنيعة كاسرًا لصولة بدع الشيعة، وكل شيعة، كشف عن تمويهات المذاهب ونقب وأتى على ما أخر أبوه من رقيق غيمها وعَقّب برأي رام لا تخطئ صوائبه، وذكاء فطن لا تلتبس مذاهبه، وكان الله جانب منه لا يضيعه، وسر كالمسك يجتهد في كتمانه فيذيعه، وقد أومينا بطرف الاشارة إلى ما كان من مصارعته بحضور أبيه الجاموس، حتى أكمن له هذا في قلب أبيه غلًّا من الحقد، وأمكن لأجله من ساقه قيدًا كالخلخال ومن عنقه كالعقد مع ما كان في نفس أبيه من تقديم أخيه على هواه، ومباينته في المعتقد لما طواه، لأنَّ الظاهر كان على خلاف الباطن من عقيدة أبيه، كان كل منهما في طرف، لا يخادع فيما عرف، فأما الابن فاستقام على الطريقة، وأما أبوه فانحرف، فأمسكه وكيله بالحديد وثقفه، والقى عن عاتقه نجاد ولاية العهد، ونزع مطرفه، ثم لما مات أخوه علي، وأقفر بيت أبيه من وَلَدٍ له يلي، وارجحن عقله الذاهب، وكان اثر المصائب كأنه قد كان بلي بذهاب لبه، وأُصيب بكل عقله لا ببعض قلبه، أعاد تقليد وَلَدَهُ الظاهر ولاية العهد وأعد له المنبر كنية النهد هيًا له (٢) السرير ما لم يكن إلا لَهُ، من حين فارق حجور المراضع، وقاطع ذروة المهد، وخطب له ببغداد، ثم صار إلى الأمصار، وضرب باسمه على السكك، وأنار وجه الدرهم والدينار، وهو مع هذا كله مرتهن عند أبيه بالتعويق، مثقف في الحديد بالقيد الوثيق موكلًا به في دار ترك عنده فيها جارية. ورُتّب له فيها كفاية جارية، قد أيْقَظَ عليه عيونًا لا تَهْجَع حتى توقظ أُخرى، ورقباء لا تَغْفَل شفقًا ولا فجرا، حتى شاء الله أن يشق صدفته عن درّتها، وتتصدع صخرته عن زُبرتها، وتتفرج أفنان غابته
(١) الظاهر بأمر الله أبو نصر محمد بن أحمد الناصر بن المستضيء، بويع له بعد موت أبيه سنة ٦٢٢ هـ، وكان مستقيمًا خيرًا، وأبطل المكوس وخفف عن رعيته، وحمدت أيامه على قصرها، مات بعد توليه بتسعة أشهر وأيام سنة ٦٢٣ هـ. انظر: الكامل ٩/ ٣٦١ وما بعدها. والنجوم الزاهرة ٦/ ٢٦٥ والفخري ص ٢٤١ وتاريخ الخلفاء ص ٤٥٨ وتاريخ مختصر الدول ٤٢٢. (٢) كذا في الأصل: والمعنى غامض.