فيُطلب له من نساء المدينة العواهر، ومن أبناء أهلها من يكلفه عمل النساء الفواجر، لا يعرف برا ولا حنثا، ولا يخف محمله عن ذكر ولا أنثى، هذا مع عدم قدرة على حكم، ولا سماع لأمره إلا إذا سمعت الصم البكم، وكان في جميع أموره كأنه لم يَرْغَه واعظ دين، ولم يردعه مَنْ له مُعْتَقَد به يدين، حتى كان شبه من بني أمية بالوليد بن يزيد (١)، وما ينتقص عما يريد بل يزيد، وتلاشت في أيامه الخلافة وأضمحلت، وانتكثت عقدتها الوثيقة وانحلت فأصبحت واهية القوى، ضعيفة لا تتماسك من شدة الجوى، أما قمرها فسقط، وأما نجمها فهوى.
ثم:
[٢٣] دولة المطيع (٢) الله، أبي القاسم الفضل بن جعفر المقتدر
ولم يكن له من الأمر شيء، ولا لَهُ فيها ممتد ظلّ ولا فيء، لم يكن له من الخلافة إلا رسمها، ولا من الممالك إلا أن يُضاف إليه سمها، قد شبع مما لا يستطيب، وقَنَعَ باسمه على سكة نقاش ومنبر خطيب. وكان في الخلافة كأنه سرّ مخفي، وعلى المنابر اسم شيء غير مرئي، ما فرح بأن ينفذ له أمر وراء بابه، ولا حكم ولا حتى في أسبابه، فما له ذكر خارج حجابه، ولا شيء يتحدث به عند حجابه، قد جعل قصره محبسه، وقيده مجلسه، وأكثر ما يتحصل له من أجل بلاده مقدار ملء خاصرته من زاده، بل كان في بعض الأوقات ربّما راجع مَنْ حَجَرَ عليه في نَزْرِ به يتوسع، ونزّر منه يتجرّع، فوقتًا يُعطى، ووقتًا يُمنع، سوى أنه ما منح في العطاء، ولا فُسح له كثرة الخلطاء، وكان (لا)(٣) يمكنه ممانعة، ولا يستطيع، ولا يمكنه إلا أن يكون لما يُقال له السامع، ولما يؤمر به المطيع، إلا أنه طالت مدته، وهو على هذه الحال المقضي والأمر. الغير مرضي ولا غير لديه ولا نكير، ولا توسيع له في مجال الحيلة ولا تفكير، ثم كانت آخرته أن خلع نفسه وولى ابنه، وخلى
(١) الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان، من فتيان بني أمية وخلعائهم، بويع له سنة ١٢٥ هـ نقم عليه الناس فبايعوا ليزيد بن الوليد بن عبد الملك فسار إليه وقتله سنة ١٢٦ هـ. انظر مروج الذهب ٢/ ١٦٧. (٢) المطيع لله، الفضل بن جعفر المقتدر، بويع له بعد خلع المستكفي سنة ٣٣٤ هـ وكانت أيامه أيام ضعف ووهن، وكان الأمر للبويهيين الذين استولوا على البلاد وفلج وثقل لسانه، فخلع نفسه وعهد إلى ابنه الطائع، وتوفي بعد شهرين بدير العاقول سنة ٣٦٤ هـ. انظر: مروج الذهب ٢/ ٥٩٦ وتاريخ الخلفاء ص ٣٩٨ ومختصر تاريخ الدول ص ٢٩١ وكامل ابن الأثير ٦/ ٣١٥ وتجارب الأمم ٢/ ٣٢٧. (٣) زيادة يقتضيها السياق.