للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ثم:

[[٥] دولة الرشيد: أبي جعفر هارون بن محمد المهدي]

وهو الذي لم يستفض لأحد من الخلفاء مثله ولا شاع نظيره، حتى إن العامة تنسب إليه كل حكاية تحكى عن الخلفاء الأمويين والعباسيين، وتنتحل له ما فعله غيره وتتمحل له ما لا فعله هو ولا أحد سواه، وما ذاك إلا لكثرة محاسن أيامه، ومن كان فيها من أفاضل الناس كالبرامكة في الكرماء ومالك والشافعي وأحمد ونظرائهم في العلماء، وغير هؤلاء مما لا يسع هذا الموضع استقصاؤهم ولا يدع عددهم الجم أن يمكن إحصاؤهم من أعيان الكبراء وحذاق الشعراء والمجودين في الغناء والمجدين من أهل النجدة والغناء، وكانت أيام دولته مجمع الأفاضل ومطلع نجم كل فاضل، وكان أوّل مَنْ سنّى الجوائز، وسنَّ عوائد الكرم، وقسم للخير زمانه ووسم في غرر الدهر إحسانه، كان لا يزال في حج أو جهاد، ولا يزل عن ذرى مطية أو جواد، قد ضرب بسهم في كل فضيلة، وقسم من كل جميلة. وقد ذكر ابن عبدوس (١): إنّ الكُلف كانت قليلة في أيامه، فإنه ما زاد المقرران كثير زيادة على ما كان إلا أنه كان لهب هبات لا ينهض لها عبء إمكان، فإذا أعطى استوصلت البحار، واستبسلت بعجزها الأمطار، وسع عقود المنن، ووسع برود دولته لمحاسن السنن، وآثاره في غزو بلاد الروم ظاهرة، وأخباره فيها لوامع في أيامه الزاهرة، وكذلك لم تخل الترك من غزوات سلت في وجوههم السيوف، وسلطت عليهم حتى الطيف، إلا أن قضية جرحت القلوب ونفرتها، وقرعت العيون وأشهرتها، ثم ندم عليهم ندمًا أكل عليه يديه وقرع سنه بما جرى بسببهم عليه، على أن الندم لا يردّ به فائت، ولا يصبح به من هو في القبور بائت.

وذكر (٢) أن الرشيد كان يصلّي في كل يوم مائة ركعة إلى أن فارق الدنيا، إلا أن تعرض له علة، وكان يتصدّق من صلب ماله في كل يوم بألف درهم بعد زكاتها، وكان إذا حجّ أحجَّ مَعَهُ من الفقهاء وأبنائهم، إذا لم يحج أحج ثلثمائة رجل بالنفقة


(١) محمد بن عبدوس بن عبد الله الجهشياري، من أهل الكوفة، نشأ ببغداد، كان حاجبًا لبعض الوزراء، من الكتاب المترسلين، مؤرخ له «كتاب الوزراء والكتاب» طبع قسم منه، توفي سنة ٣٣١ هـ. انظر: النجوم الزاهرة ٣/ ٢٧٩ ومقدمة الكتاب والوزراء والوافي بالوفيات ٣/ ٢٠٥.
(٢) النص التالي عن تاريخ الطبري ٨/ ٣٤٧.

<<  <  ج: ص:  >  >>