للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

السكك، اجتنابًا من تقلّد أوزاره، وتحمّل أثقال إثمِهِ وأوضارِهِ، وأمير المؤمنين قد شهد الله بما علمه، وإن كان على ولده، ولم تأخذه لومة لائم في لزوم منهج الحق وجَدَدِه، قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ (١) وحيث أقال أمير المؤمنين أبا نصر محمدًا وخَلَعَهُ ونضى عنه جلباب ولاية (٢) عهده ونَزَعه، لم يَرَ أن يعين على أحدٍ بعينه (تحريًا لا لاحتساب) ما تحمل الأوزار، وتوخيًا لما هو أسلم من الأخطار.

ثم:

[٣٦] دولة المستنصر بالله (٣)، أبي جعفر المنصور بن محمد الظاهر

جهد في طريقة أبيه وما بَلَغَها، وحام على مناهله وما سوغها، لكنه قارب معناها، وقام حتى داناها، وأسْغَبَ شهواتِهِ من المظالم وفطمها، وَزَم نظراته عن المحارم وخطمها، وأظهر السنّة وأقامها، وسَمَكَ في أعلا السماء مقامها، فكان لا يكبر رأس متشيع إلا رضه، ولا يتشاوس نظر مبتدع إلا غضه، ولا يستكثر رافضي إلا رَفَضَهُ، وحل عقد شعبه وفضّه، سوى أنه أفرط في كبرياء الحجاب، وخالف أباه لا آبائه في فرط الإعجاب، وكانت الملوك تحب المستنصر، وتستطيل أمد عوارفه ولا تستقصر، وكأنما جاء عقيب جده الناصر لأن أيام أبيه كانت كأن لم تكن، لأنه ما بزغ قمره حتى غاب، ولا أصحر ضيغمه حتى واراه الغاب، وأزاح من تجنى الناصر تَعَبَ خواطرهم، ومن تعنى الرسل بينهم وبينه نظر نواظرهم، وكان قد أمر بوظائف الرسل ورتب لهم لطائف الأنزال في السبل، فسارت إليه بهم ركائبهم الذلل الصعاب، وتحدرت إليه قصاده بطون الأودية وشعاف الشعاب، ثم انتقل إلى الله مُبَؤًا في لحده الكرامات، ممرضًا بعده الصبر والكرى مات.

ثم:


(١) النساء: ١٣٥.
(٢) الأصل: ولا.
(٣) المستنصر بالله، أبو جعفر المنصور بن محمد الظاهر، بويع له يوم وفاة أبيه سنة ٦٢٣ هـ وصف بوفرة العقل والحزم وحسن السياسة، وهو باني المدرسة المستنصرية ببغداد وفي عهد استولى المغول على أكثر البلاد وكادوا أن يدخلوا بغداد، توفي سنة ٦٤٠ هـ. انظر: كامل ابن الأثير ٩/ ٣٦٩ وما بعدها، تاريخ الخلفاء ٤٦٠ ومختصر تاريخ الدول ص ٤٢٤ والنجوم الزاهرة ٦/ ٣٤٥ والعسجد المسبوك ص ٤٢٩.

<<  <  ج: ص:  >  >>