للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وأراد أن ينزل البصرة فقيل إنها حارة فقال: أتراها أحرُّ من فقد الخلافة؟ ثم اختار نزول واسط، فلما صار بقرب سرَّ مَنْ رأى تلقاه سعيد الحاجب، فباتا بها، فأصبح المستعين ميتًا ولا أثر به، وقيل غير هذا (١)، فقال جنيد (٢) الكاتب المعروف بباذنجانة: [من الكامل]

إيها بني العباس إن سبيلكم … في قتل أعبدكم سبيل مَهْيَعُ (٣)

رقَّعْتُمُ دنياكم فتمزّقت … بكم الحياة تمزقًا لا يرقع

ثم:

[١٣] دولة المعتز بالله (٤): أبي عبد الله الزبير بن جعفر المتوكل

وقد أشرنا في ذكر المستعين إلى أن المعتز ناصبه على الأمر حتى قوم أوَدَهُ ونصبه

وقدم مدده إليه ونصبه، وجهَّز إليه أخاه الموفق فكسر ثم أَجْهَزَ عليه فَنُصِر، بعد حروب أفنيا فيها الأعمار، وبنيا عليها صروحًا تتسلق عليهما منها الأغمار، لكثرة ما طاح بينهما من جائل مهج، وطاف من حائل رَهَج، وطيّب المعتز سقام الملك وشفى وَصَبَهُ، وكفى عُصَبَهُ، فاستعاد سلطانه ممَّنْ غَصَبَهُ، واستقاد شيطانه المريد ورجَمَهُ بشهب نباله وحَصَبَهُ، ورحمه فأنفاه، ثم بدا له فشفى غليله وإن كان قد قطع عصبته.

وكان المعتز أحسن خليفة رؤيًا، كأن البدر طالع من طوق قبائه، والظبي رائع حول خبائه، بَرَزَ يومًا في ثوب أخضر فأشبه غُضنًا وريقًا، يلصّ إليه الأصيل ولم يَذْهَب، وكان يتعشق يونس بن بغا، وكان مثله في حسنه وحُسْناه، ونظيره في سنه وسناه، حتى كان يقال إنه ما رأى أحَدٌ مثلهما عاشقًا ومعشوقًا، توافقا جمالًا وتناسقا كمالًا، وتقارضا شغفًا وتقارنًا كَلَفًا، فكانا غصنين سمقا وبدرين اتسقا، وكلف المعتز به حتى كان لا يقدر يصبر عنه لحظة ولا يضيع مع غيره لفظه، واشتغل به عن كل ما


(١) انظر: تاريخ الطبري ٩/ ٣٦٢ وخبرًا مختلفا في مروج الذهب ٢/ ٤٤٧.
(٢) الجنيد بن محمد البصري الكاتب الملقب باذنجانة، كان من شعراء العسكر في سامراء انظر: الوافي بالوفيات ١١/ ٢٠٤.
(٣) البيتان من أربعة في تاريخ الطبري ٩/ ٣٥٠ منسوبة لبعض الشعراء.
(٤) انظر أخباره في تاريخ الطبري ٩/ ٣٤٨ وكامل ابن الأثير ٥/ ٣٣١ وتاريخ اليعقوبي ٣/ ٢٣٧ ومروج الذهب ٢/ ٤٤٩ والفخري ص ١٨١ وتاريخ الخلفاء ص ٣٥٩ وتاريخ مختصر الدول ص: ٢٥٤ والوافي بالوفيات ٢/ ٢٩١ و تاريخ بغداد ٢/ ١٢١ والأغاني ٩/ ٣١٨.

<<  <  ج: ص:  >  >>