للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فما زال يبكي وينتحب حتى كاد بدموعه يَنْتَقِبْ، ثم رجع إلى منزله فاحتضر، وجاءه من الموت أمر قد قُدِر، وجَعَلَ يقول: ذهبت الحيلة ليست حيلة، إلى أن مات لثمان عشرة مضت من ربيع الأول سنة سبع وعشرين ومائتين بسامراء، ومدته ثمان سنين وثمانية أشهر ويومان.

ومولده سنة سبع وتسعين ومائة.

ولما مات صنع للواثق لحنًا وغنى به فيه وهو: [من الوافر]

أبت دار الأحبة أن تُبينا … أجدك ما رأيت بها معينا (١)

تُقطع حَسْرَةً من حُبِّ لَيْلى … نفوس ما أُثبن وما جزينا

ثم:

[٩] دولة الواثق بالله (٢): أبي جعفر هارون بن محمد المعتصم

ولما ولي استمر بعوائد أبيه وعمه المأمون ولاب على موارد المحنة، ولاث مفارق من خالفه بعصابة المهنة، واشتدَّ في التحرج بهذا المذهب والتولج في ظلمة هذا الغيهب (٣)، وكان كريمًا جوادًا، وله اعتلاء في الأدب، واعتناء به، يَنْسَل إليه أهْلُه من كل حدب، وكان له صنعة في الموسيقى، وروي له فيها أعمال تحرّك الصخور، وتحرّض سامعها على اغتنام أيام السرور، وكان مع هذا مهيبًا موقرًا في الصدور، موفى بمهابة أمنع من السنور، وكانت له على الأتراك حرمة خطرت على خواطرهم الخطرات، وقصرت لواحظهم تحت سجف العبرات، وكان إذا ذكر لهم تربع بهم أوهامهم، وترتعد مفاصلهم فما تقلّهم أقدامهم.

وحكى ابن أبي دؤاد (٤) عنه كلامًا معناه: حضرته وهو قاعد ينتفش وبيد بعض


(١) البيتان في الطبري ٩/ ١٥٣ لأحمد بن عبد الوهاب، فصنعت في قلم جارية صالح، فغناه زرزر الكبير للواثق.
(٢) الواثق بالله هارون بن محمد المعتصم، وأمه أم ولد رومية اسمها قراطيس توفت في طريقها إلى مكة سنة ٢٢٧ هـ استطاع أن يقضي على حركات الأعراب في عصره، وكان أديبًا عالمًا موسيقيًا. انظر أخباره في تاريخ الطبري ٩/ ١٢٣ وكامل ابن الأثير ٥/ ٢٦٦ ومروج الذهب ٢/ ٣٧٥ وتاريخ اليعقوبي ٣/ ٢١٨ و تاريخ بغداد ١٢/ ١٢ والأغاني ٩/ ٢٧٦ والنبراس ص ٧٣.
(٣) قتل في المحنة على القرآن أحمد بن نصر الخزاعي سنة ٢٣١ هـ، مروج الذهب ٢/ ٣٨٣.
(٤) في الأصل داود، وهو أحمد بن أبي دؤاد، قاضي القضاة من كبار المعتزلة توفي سنة ٢٤٠ هـ. انظر: تاريخ بغداد ٤/ ١٤١ والبداية والنهاية: ١/ ٣١٩.

<<  <  ج: ص:  >  >>