للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وهو أن قتيبة شاور أصحابه في رجل يؤمره على جيش أراد أن يبعث به لمحاربه بعض من جاور خراسان من الكفار، فقيل له: هل لك في فلان؟ فقال: ذلك رجل ذو كبر، ومَنْ تكبّر أعجب برأيه، ومَنْ أُعجب برأيه لم يؤامر نُصَحاءَه، ومن تحلى بالإعجاب، ودبّر بالاستبداد كان من الصنع بعيدًا ومن الخذلان قريبًا، ومَنْ تكبر على عدوّ احتقره، ومن احتقر عدوّه (قل) (١) احتراسه منه، ومن قل احتراسُهُ كَثُر عثاره، وما رأيت محاربًا قط تكبر على عدوّه إلا كان مخذولًا مهزومًا مغلولًا، لا والله حتى يكون أسمع من فرس، وأَبْصَر من عقاب، وأهدى من قطاة، وأحذر من عقعق، وأجرأ من أسد، وأوثب من فهد، وأحْقَد مِنْ جمل، وأروع من ثعلب، وأسخى من ديك، وأشح من ظبي (٢) وأخرس من كركي. والح (٣) من كلب، وأصبر من ضب، وأحمل (٤) من نمل، فإن النفس إنما تسمح بالعناية على مقدار الحاجة، وإنما تعني بالتحفظ على مقدار الخوف، وقد قيل على وجه الدهر: ليس لمعجب رأي، ولا لمتكبر صديق، ومَنْ أحب أن يُحب يحبب، قال العروضي: فكتب الراضي ذلك بخطه، وعكف على دراسته حتى حفظه في جملة ذلك. فلما حصله ارتاح وطرب، وأقبل علي وقال: لعلّ الزمان أن يبلغ بي إلى أن أتأدب بهذه الآداب.

ثم:

[٢٢] دولة المستكفي (٥) بالله، أبي القاسم عبد الله بن علي المكتفي ابن المعتضد

كان لا يكف ذيله عن فجور، ولا يعف ليله عما لا يصبح له ديجور، ولا ينفك في غيابة ظلام، ولا ينتقل عن بطن جارية إلا على ظهر غلام، ولا تزال يده مقرطة بمنديل، متوجه بكأس إلا أنها غير سلسبيل، وكان مجلسه معمورًا بالفتيان، مغمورًا بالدنان، كأنه حانة نباذ، وفي قطر بل (٦) لا بغداد، وكان ربما لم يكتف بمن عنده


(١) سقط من الأصل.
(٢) في الأصل: صبي.
(٣) كذلك في الأصل وفي المروج: احفظ.
(٤) كذا في الأصل وفي المروج: أجمع.
(٥) ولي بعد الراضي: المتقي لله، أبو إسحاق بن إبراهيم بن جعفر المقتدر، بويع سنة ٣٢٩ هـ وكانت خلافته ثلاث سنين واحد عشر شهرًا وثلاثة وعشرين يومًا، ثم بويع للمستكفي سنة ثلاث وثلاثين وثلثمائة. انظر: مروج الذهب ٢/ ٥٧٣ و ٥٨٤ وكامل ابن الأثير ٦/ ٣٠١ والنجوم الزاهرة ٣/ ٢٨٢.
(٦) قطر بل: قرية بين بغداد وعكبرا ينسب إليها الخمر (ياقوت - قطربل).

<<  <  ج: ص:  >  >>