وبويع المستضيء بالله ثاني يوم موت أبيه، واستوزر عضد الدين ابن رئيس الرؤساء، بعد عظائم جَرتْ بسببه، ثم أراد عضد الدين الحج فقفز عليه شيخ متصوف فقتله، وقفز آخر على صاحب الباب فقتله، وقتل ابن عضد الدين بيده قاتل أبيه.
وفي سنة سنة سبع وتسعين (١) أتته البشرى بقطع خطبة العاضد العبيدي بمصر، وإقامة الخطبة له.
ومات المستضيء في أواخر شوال سنة خمس وسبعين وخمسمائة.
ثم:
[٣٤] دولة الناصر (٢) لدين الله أبي العباس أحمد بن الحسن المستضيء
وهو الذي شد الخلافة وقواها، وعدل الدولة وسواها، وتداركها وهي في رَمَقِ فأنْعَشَها، ولحقها وهي دفين فَنَبَشها، وخاشن الملوك ونابذهم في الحفاظ، وواخذهم حتى في الألفاظ، وناقشهم في لقب ونافَسَهم وما ارتقب، وأظهر قوة من ضعف، ورسم خلافة كأنه يعف، وكان قد أخَذَ الناس بالأرصاد وتعمد أخبارهم بالاقتصاد، فكان يكاد لا يخفى عليه بواطن أمورهم، وما يخفى بحيطان دورهم، ثم يحدثهم بها كأنه يُكاشف، أو كأنه بخبايا أسرارهم عارف، لكنّه كان طامح النظر إلى الحريم، لا يُقنعه ظباء الحريم، ولا يردّه حور الخلدان بحور في بغداد حور.
وولد مع تشيع، إلا أنه ليس برفض، وتسبع لو خلي لأكل الأرض، وكان بادي الرأي، له في كل يوم عزل وولاية، وبه عز وذل إلى غاية، وعهد إلى ولده الظاهر أبي نصر محمد (٣) ثم عزله، ورفع اسمه على المنابر ثم أنْزَلَه، وكان السبب في هذه تميزه عليه خلقًا وخلقًا وعلمًا وعدلًا ورفقًا، وبأسًا صارع به بحضرة أبيه الجاموس،
(١) كذا في الاصل، وهو تحريف والصواب سبع وستين. انظر: كامل ابن الأثير ٩/ ١١١ والنجوم الزاهرة ٦/ ٦٣ والمغرب (ق ٢ مصر) ص ٩٧. (٢) الناصر لدين الله العباسي، أبو العباس أحمد بن الحسن المستضيء، بويع له بعد موت أبيه سنة ٥٧٥ هـ، وصف بالدهاء، وعمر المساجد، وجدّد المشاهد وبنى الأربطة والمدارس، وطالت مدته فحكم سبعًا وأربعين سنة، توفي سنة ٦٢٢ هـ. انظر: مختصر ابن الكازروني ص ٢٤٢ والفخري ص ٢٣٦ وتاريخ الخلفاء ص ٩/ ٤٤٨ و ١٤٨ وما بعدها وتاريخ مختصر الدول ص ٣٧٨ والوافي بالوفيات ٦/ ٣١٠ ونكت الهميان ص ٩٣ والنجوم الزاهرة ٦/ ٢٦١ والفوات ١/ ٦٢. (٣) أبو نصر محمد بن الناصر، ولي الخلافة بعد أبيه وسيأتي ذكره.