بقي معه حتى قتل، وخرج من سرادق مروان شيخ مُسِنٌ (١)، فقال: أيكم الأمير، فأرشد إليه، فأتى بهم موضعًا في الرمل بعيدًا من القرية، فأحفروه فأخرجوا منه القضيب والبردة والقعب والمخضب واحتز رأس مروان وجهز به، وبما كان دفنه إلى السفاح، ثم أحسنَتْ حياطة أهله وحرمه، فلما أتى السفاح رأس مروان سَجَدَ شكرًا، ثم أنشأ يقول:[من الطويل]
تناولت ثاري من أمية عنوة … وحزتُ تراتي اليوم عن سلفي قسرا
وألقيت ذلًا عن مفارق هامهم … وألبستها عزًّا ولم آلها فخرا
فهذه جملة جميلة من أخبار هذه الدولة حتى قامت، وهذا ذكر خلفاء هذه الدولة واحدًا واحدًا إلا إبراهيم بن المهدي وعبد الله بن المعتز فإني لا أذكرهما إلا في أخبار المأمون والمقتدر، إذ كان وثوبهما في ذينك الخليفتين، وأولها:
[١] دولة السفاح أبي العباس، عبد الله (٢) بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس
وهو أول من تلقى منهم بصدره الباس، ولبس الشعار العباسي، فزرر ليله على قمره وعقد ظفائر أعلامه السود على فرسان عسكره، وكشف كما ذكرنا قناعه بمجاهرته لبني أمية، وثار وقد توقدت به الحمية، وخرج فيمن قل من عمومته وأهله في شفق نهار، والشمس قد فتحت في ساعة الأصيل وردتها في خده الأسيل، وسار حتى أتى الكوفة، وصعد منبرها، وأرتج عليه فخطب عمه داود وهو واقف دونه بدرجة خطبة بليغة اقتضبها بديها، ثم وافت عساكر أبي مسلم الخراساني تنسف رمل الأرض جيادها، ويخطف بصر البرق ومض حدادها، وصرّح الشر فأمسى
(١) في مروج الذهب ٢/ ١٩٤، لما قتل عامر بن إبراهيم مروان وأراد الكنيسة التي فيها بنات مروان ونساؤه، وإذا بخادم لمروان شاهر السيف يحاول الدخول عليهن، فأخذ الخادم، فسئل عن أمره، فقال: أمرني مروان أذا هو قتل أن أضرب رقاب بناته ونسائه، فلا تقتلوني فإنكم والله إن قتلتموني ليفقدن ميراث رسول الله ﷺ … ثم بقية الخبر. (٢) أبو العباس السفاح، أول الخلفاء العباسيين، أخباره كثيرة في تاريخ الطبري الجزء السابع منه وكامل ابن الأثير ج ٤ منه وأنساب الإشراف ج ٣ منه وأخبار الدولة العباسية وتاريخ ابن خلدون ج ٣ منه وتاريخ الخميس ٢/ ٣٢٤ وتاريخ اليعقوبي ٣/ ١٨٦ مروج الذهب ٢/ ١٩٩ وتاريخ بغداد ١/ ٤٦ وغيرها.