للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وهو عريان (١)، وأصبح ومُقَلُ أَسِنَّتِهِ ترمُقُ وجه العدو وهو خزيان (٢)، ثم كانت وقعة الزاب، وغُلِبَ الشيطان وانهزمت تلك الأحزاب وولى عسكر الشام وقد تفلّل مضاؤه، وتغلغل جمعُه وضوضاؤه، وحاق بمروان بن محمد مكره وحار فكره، ورأى الأرض أضيق عليه من مفحص قطاه، وأقصر من مدى خُطاه، وأدرك كما ذكرنا مروان بيوصير واستقر به فيها المصير، ثم لم تُحوجه الأقدار بعدها إلى تجهيز جيش ولا استعمال أناة ولا طيش، وكان السفاح يسفح نوالًا، ويرى ألا يرد سؤالًا، مع ما كان فيه من وفاء جرى سبوقًا، وشَمَخَ غُضّه الرطيب سموقًا، مع مكارم أخلاق فاقت أشباهها، وراقت أمواهها، فما شاءه طلب بلوغا، ولا لاواه نزوغا، ولا بدأ بأمر إلا وأتمه فروغا، ولا أهمه مهم إلا وعاجل نجمه بزوغًا، وقد كانت ملوك بني أمية ترى أنه سيكون الأمر في رجل من بني العباس أُمُّه من بنات الحارث بن عبد المدان.

فكانت تمنعهم من الزواج إليهم حتى كان عمر بن عبد العزيز، فأستأذنه علي (٣) بن عبد الله في التزوج بريطة، فقال له: تزوّج بمن شئت، فأولدها أبا العباس السفاح.

وحكى ابن ظفر: أن أبا سلمة الخلال وسلمان بن كثير كانا يفدان في كل عام على إبراهيم الإمام فيأتيانه بهدايا أهل الدعوة وبكتبهم، ويستأمرانه، ولم يكن أحد من أهل بيته يعرفهما، ولا يعرف الأمر الذي يأتيان فيه، فقدما سنة من السنين، فرأيا أبا العباس وأبا جعفر أَخَوَيْ إبراهيم الإمام، وهما إذ ذاك غلامان، فأعجباهما، فقال سلمان بن كثير لأبي سلمة: إِنِّي مُسرٌّ إليك أمرًا مهمًا فاحلف لي على كتمانه فحلف له أبو سلمة بأيمان رضيها، فقال له سلمان بن كثير: إني أرى عند هذين الصبيين من إمارات الاستقلال مالا كفاءَ لَهُ. فقال له أبو سلمة: هما والله أولى بالأمر من صاحبنا يعني إبراهيم الإمام، فقال له سليمان: ما منعني من ذكر هذا إلا


(١) تضمين لقول الفند الزماني:
صفحنا عن بني ذهل … وقلنا القوم اخوان
فلما صرح الشر … فأمسى وهو عريان
(٢) الأصل: جرتان، ولا معنى لها.
(٣) كذا في الأصل والصواب محمد بن علي بن عبد الله، وفي أخبار الدولة العباسية ص ٢٠١ إن ريطة كانت تحت ولد عبد الملك فنازعها في شيء يومًا من الأيام ففخرت عليه وذكرت سلفها وأيامها فأحفظه ذلك فطلقها، فكلّم محمد بن علي عمر بن عبد العزيز وهو الوالي يومئذ فقال: ابنة خالي كانت متزوجة فيكم وقد فرغت فأريد أن أتزوجها وأحببت أن يكون ذلك بإذنك، فقال: هي أملك لنفسها ومن يحول بينك وبين ذلك؟ فتزوجها محمد بن عبد الله واشتملت منه على أبي العباس.

<<  <  ج: ص:  >  >>