للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

التقية والتستر، وبينا هما يتفاوضان في هذا مرَّ أبو العباس وأبو جعفر وهما يضربان كرة (١)، فدعاهما أو سلمة فأتياه، فقال لهما: إني أنشدت صاحبي شعرًا أنا به معجب، فلم يرْضَهُ وقد رضينا بحكمكما فيه، فقالا: أنشده، فأنشدهما: [من الطويل]

أمُسْلِمَ فاسمع يا أبن كل خليفة … ويا فارس الهيجا ويا جَبَلَ الأرضِ (٢)

شكرتك إن الشكر حبل من التقى … وما كلّ من أوليته نعمة يقضي

ونوهت من ذكري وما كان خاملًا … ولكن بعض الذكر أنبه من بعض

فقال له أبو جعفر: من يقول هذا؟ قال: يقولُه أبو نخيلة (٣)، قال: فعض أبو جعفر على أصبعه وقال: أأمنَ هذا العبد أن تدول لبني هاشم دولة فيولغوا الكلاب دَمَهُ، فقال له أبو العباس: مه يا أخي، فإنه كان يقال: مَنْ أَظْهَر غَضَبَهُ ضَعُفَ كيده، ثم أقبل أبو العباس على أبي سلمة فقال له: هذا شعر أحمق في أحمق، كيف يقول الرجل هو في سلطان غيره وتابع له يا جَبَل الأرض، وجبل الأرض مُرْسِها وممسكها، فلا يصح أن يقال هذا لمن هو في سلطان غيره، وتابع له، وأَيْنَ يقع تعظيمه وتفخيمه من نقص اسمه، وانطلق أبو العباس فقال له أبو جعفر: هَلُمَّ يا أخي نلعب، فقال أبو العباس: هل أولغت الكلاب دم أبي نخيلة؟ فقال: لا ولكنك أدبتني فتأدبت، وذهبا، فقال أبو سلمة لسليمان: بمثل هذين يُطلب الملك، ويُدرك الثار، وما زالا بإبراهيم الإمام حتى عهد إلى أبي العباس، ويقال: أنه وعدهما أن يعهد إليه ولم يفعل حتى قبض عليه مروان، فأمضى العهد لأبي العباس.

قال: ثم إن أبا نخيلة وَفَدَ على أبي العباس السفاح عندما أفضَتْ الخلافة إليه، فلما مثل بين يديه إستأذَنَهُ في الإنشاد، فقال: من أنت: قال: عَبْدُك وشاعرك أبو نخيلة، فقال أبو العباس، لا قرب الله من أبعد نوي ولعنه، ألست القائل: (٤)


(١) في الأصل: كرتًا.
(٢) الأبيات لأبي نخيلة في شعره (المورد مجلد ٧ خريف ١٩٧٨ العدد الثالث).
(٣) في الأصل: «أبو نخيلة»، وهو أبو نخيلة بن حزن بن زائدة التميمي، يكنى بأبي الجنيد، وأبو نخيلة اسمه، من الشعراء الرجاز، كان عاقًا لأبيه فطرده فخرج إلى الشام ومدح مسلمة بن عبد الملك فأوصله إلى خلفاء بني أمية، فمدحهم ونال صلاتهم، ولما نكب الأمويون مدح العباسيين وهجا بني أمية، وأنشد أبا جعفر أرجوزة يفريه فيها بخلع عيسى بن موسى من ولاية العهد، فسخط عليه عيسى، فهرب منه، إلى خراسان، فأرسل مولى له فأدركه وقتله سنة ١٤٥ هـ.
انظر ترجمته في الأغاني ١٨/ ١٣٩ والشعر والشعراء ص ٥٨٣ وأمالي المرتضى ١/ ٥٨٠.
(٤) الخبر والأبيات في مجموع شعره ومروج الذهب ٢/ ٢٠٩ والأغاني ٢٠/ ٣٩٩.

<<  <  ج: ص:  >  >>