كان كريمًا غيورًا حادَّ (١) المزاج، شرس الخلق، له بادرة لا تؤمن، وإقدام لا يطمئن به ولقد أراد الرشيد على خلع نفسه من ولاية العهد، وراود في ذلك يحيى بن خالد (٢) غير مرّة، وهو ممتنع عليه، ويقيم له الادلة على زيف رأيه في ذلك على ما سيأتي ذكره في مواضعه من هذا الكتاب، ولم يطل بالهادي فسيح، ولا تراخى به عنان مهل حتى ساورته المنون وسارعته الشهور لا السنون، فمال عرشه في أقرب وقت، ومات وأبقى له المقت، واختلف في موته بأي سبب كان، فقيل: أكل رمانا فشرق منه بحبّة فمات، وقيل وقع على قصب فارسي فدخل في دبره فمات، وقيل: مرض أيامًا ومات وقيل: غمَّته أُمُّهُ الخيزران (٣) لإفراط تحجره عليها، وتبرمه من شفاعاتها، ولما أراد عليه أخاه هارون الرشيد، وكان هارون أحبّ إليها وأكرم منه عليها فطلبت في الحال يحيى بن خالد ونَعَته إليه نعي غير ثكلى ولا فاقد، وكان يحيى عنده محبوسًا، فبادر إلى هارون بخبر موسى، فصادف خادمًا يريد يبشره بولادة مولود ذكر ولد له تلك الليلة وهو المأمون، فسابقه في الدخول عليه وبادره بالسلام، وقال: أهنيك بالخلافة وغلام.
وعن الحسن (٤) بن معاذ بن سلم، وكان رضيع الهادي، قال: لقد رأيتني أخلو مع موسى الهداي ولا أجد له هيبة في قلبي لما كان يبسطني، وربما صارعني فأصرعه غير هائب له، وأضرب به الأرض فإذا تلبس لبسة الخلافة، ثم جلس مجلس الأمر
(١) في الأصل: حد. (٢) يحيى بن خالد البرمكي، وكان المهدي قد ولي الرشيد المغرب كله من الانبار إلى إفريقية وأمر يحيى بن خالد أن يتولى ذلك (تاريخ الطبري/ ٨/ ١٨٧). وانظر محاولة الهادي خلع الرشيد في ٨/ ٢٠٧ منه ومروج الذهب ٢/ ٢٦٣. (٣) الخيزران: زوجة المهدي العباسي، وأم بنيه الهادي وهارون الرشيد، أصلها من اليمن، كانت من جواري المهدي، واعتقها وتزوجها، ولما ولي المهدي وانفردت بكبار الأمور، فحاول المهدي منعها توفيت ببغداد سنة ١٧٣ هـ، تاريخ بغداد ١٤/ ٤٣٠ والبداية والنهاية ١٠/ ١٦٣ والنجوم الزاهرة ٢/ ٥٢. (٤) كذا في الأصل وفي تاريخ الطبري ٨/ ٢١٨: الحسين.