لئلا يشتهر الأمر فيقتله الراشد، ثم رحل السلطان والجماعة نحو بغداد (١).
فأما الراشد فإنه لما بويع ببغداد بالخلافة بعد مقتل أبيه المسترشد بالله أرسل إلى الأمير عماد الدين زنكي بن آقسنقر يَسْتَدْعِيه يحدّثه وضمن له أن تكون السلطنة والملك للملك ألب أرسلان بن محمود بن محمد ابن ملكشاه الذي عند أتابك، وأن تكون أتابكة السلطنة والخلافة بحكم عماد الدين (٢).
ثم:
[٣٠] دولة الراشد (٣) بالله، أبي جعفر منصور بن الفضل المسترشد
وكان بأبيه يسترشد، وعلى نحو ما قرره يحل ويعقد ويعد وينقد، ووجد لملهك أبيه ما لا قدر يملك ناره، ونسب إلى مسعود بن محمد قتلته، وأنه الذي قرّر غيلته، وهو لا يجد سبيلا، ولا يستجد قبيلا، خشية أن يتفطن لمراميه فيعاجل قبل إبرامه، ثم صرفه القدر عما أراد، وأبكى السيف والنجاد، وبويع بعد أبيه المسترشد، وكأنه لتأبيه لم ينشد، وضلالته لا تعان بولي مرشد، وضالته لا تُعرف لناشد ولا ينشد، فكان يبيت على مثل حسك السعدان ويتململ كلما حضر الأبردان، وفطنت الملوك لما تتناج به وساوسه، وتتناد به ضمائره وهواجسه، وكان طائشًا عجولًا، يركب معارف وهجولا (٤)، فخافت ابتداره، وخشيت إذا تمكن اقتداره، لأنه أسد أهيج، وأرقم حُرِّك لأمْرٍ مُرِيج، فما تمكن ولا تفرغ لأن يساور ولا يلدغ، بل خُلع خلع الرداء، وألقى إلقاء الدارع للأمة الحصداء (٥)، وأثبت عليه محضر بأنه فسق، ولولا الملة لقالوا إنه مَرَق، وفارق الدين وقطع حبله من حيث
(١) انظر خبر اختيار أبي عبد الله محمد بن المستظهر في الفخري ص ٢٢٦ والكامل ٨/ ٣٥٤. (٢) انظر تفاصيل الخبر في كامل ابن الأثير ٨/ ٣٥٢. (٣) الراشد بالله، منصور بن الفضل المسترشد بالله، ولي الخلافة بعد مقتل أبيه سنة ٥٢٩ هـ، وكان المستولي على الملك في أيامه مسعود السلجوقي، فقدم بغداد سنة ٥٣٠ هـ، ففارقها الراشد إلى الموصل، فأخذ مسعود فتولى الفقهاء بخلعه وتعيين أبي عبد الله محمد بن المستظهر بالله، عم الراشد، أما الراشد فرحل إلى مراغة، ومنها إلى الري، وما زال يتنقل إلى أن اغتاله الباطنية على باب أصفهان سنة ٥٣٢ هـ. انظر كامل ابن الأثير ٨/ ٣٤٨ وما بعدها ومختصر ابن الكازروني ص ٢٤ والفخري ص ٢٢٦ وتاريخ الخلفاء ص ٤٣٦. (٤) الهجول: الكثير الأسفار. (٥) اللأمة: الدرع، والحصداء: الواسعة، والكثيرة الورق، أراد اداة الحرب الكاملة.