[٣٧] دولة المستعصم بالله (١)، أبي أحمد عبد الله بن المنصور المستنصر
وهو آخر الخلفاء في بغداد، بل آخرهم في سائر البلاد بالاستبداد، وكان مُحدثًا سنيًّا، محمدًا سنيًّا، تفقه على مذهب أحمد، وتشبَّه في أوّله في كل ما هو أحمد، وكان من ذوي العقول، إلا أن باريه كاده، والبصائر إلا أن الله أعماه ليمضي مراده، وأُغري باللعب بالحمام فَجَلَبَ على المسلمين جالب الحمام، جمع منها عشرين ألف طائر، إلا أنها كانت مياشيم أكثرها قلابات، قلبت الدولة وانتهكت الحريم، ومنى بوزير، (٢)، بل بكلب خنزير، رافضي خبيث، وغير مأمون حتى ولا على حديث، فرتع في سوام الملك ذيبه، ونَفَقَ على الخليفة كذبه لا تكذيبه، وجلب بمواطأته التتار ما أضر بالأمم قتله لا تعذيبه، ولم يجد خمد كمده ريح فطنة تحلله ولا تذيبه، فغطى على بصر الاسلام تلبيسه تدليسه وغط دماء الأمة تسليط أباليسه، فكان في دبيبه أرقما، وسقى كؤس الضراء لطعم أبيه علقما، فلا كان العلقمي وما ولد، لقد وَلَدَ أفعى، وألقى عصا قلمه فإذا هي حية تسعى، لقد أتى شيئًا نكرا، وأطعم الناس من طعامه العلقمي مُرًّا، فحسَّنَ للخليفة جمع المال، وكاتب التتار سرًّا ومد لهم الآمال، وبقي يقطع ألفًا فألفا من الجند ويوفّر ما لهم للديوان، وإنما يريد إضعاف جانب الخليفة، وإرجاف جوانب الأرض بوهن قوته الضعيفة، فلما فل حد العسكر، وقلَّ عديدهم الأكثر استقدم عسكر العدو وبرسله وبكتبه، واستدعى بَرَّهُ
(١) المستعصم بالله عبد الله بن منصور المستنصر بن محمد الظاهر، أبو أحمد آخر خلفاء الدولة العباسية في العراق بويع له بعد وفاة أبيه سنة ٦٤٠ هـ، وكان المغول قد اكتسحوا البلاد، وكان المستعصم ضعيفًا، اختاره امراؤه خليفة لضعفه، وسيطروا عليه فلم يكن له أمر وكف يده وزيره ابن العلقمي عن التصرف وقد اتهم هؤلاء الوزير بممالأة المغول ومكاتبتهم، وأخذ ذلك مؤرخوا الشام فشاعت هذه التهمة في كتب التاريخ قديمًا وحديثًا وفي القدماء من ينفيها عنه والدراسات الحديثة تؤكد براءته وللطائفية دور في إلقاء التهم ونفيها، واستمر المستعصم خليفة حتى دخل هولاكو بغداد سنة ٦٥٦ هـ فقتل المستعصم ومعه جمع من أهل بيته وأعلام بغداد، وبموته انقرضت الدولة العباسية بالعراق، وعدة خلفائهم سبعة وثلاثون خليفة، ومدة ملكهم ٥٢٤ سنة. انظر: العسجد المسبوك ص ٦٣٠ والنجوم الزاهرة ٧/ ٦٣ وفوات الوفيات ١/ ٢٣٧ والفخري ص ٢٤٤ والحوادث الجامعة ص ١٢٩ - ٢٤٢ وتاريخ مختصر الدول ص ٤٤٥ ومختصر ابن الكازروني ص ٢٦٦. (٢) رد به مؤيد الدين محمد بن أحمد (أو محمد) بن علي أبو طالب، مؤيد الدين الاسدي البغدادي، وزير المستعصم العباسي، ما زال المؤرخون يرمونه بتهمة مكاتبة التتار لاحتلال بغداد ويشتمونه بكل قبيح، والغريب أن غيره من الذين ذكرت كتب التاريخ أنهم شاركوا المغول في حصار بغداد لم يتعرض لهم أحد بشتم ولابن الطقطقي رأي. انظر الفخري ص ٢٤٦.