[٨] دولة المعتصم بالله (١)، إبي إسحاق محمد بن هارون الرشيد
عهد إليه أخوه المأمون، وشهد بأهليته هو والمسلمون، ونطقت أسنة السنة فما كذبت، وصدقت مضارب سيوفه فما نبَتْ، وكان فارسًا شجاعًا بطلًا، مناعًا، راميًا، محاميًا، بصيرًا بمواقع الحرب وترتيب الجيوش وقتل الأعداء وحملهم من رماحه على النفوس، وكان كما يوسم أخوه مخيلة عارضة الهتون، وخميلة أرضه الهرون (٢)، واستكثر من الغلمان الأتراك، وأحل كبراؤهم منه بمكان الاشتراك، حتى حدث بعده منهم ما حدث، وأحدثوا ما لو شعر به لقام لا يواريه حدث، فإنهم فعلوا ما كانوا دون قدره، وقتلوا مِنْ بنيه من تلوث بدمه الصباح، وهاطرا طيشه (٣) على شفق فجره، فأما في زمان المعتصم، فإنهم كانوا في مزيد الاستطاعة عبيد الطاعة، إلا أنَّ منهم من قسا، ووكل السيف في عقابه لما أسا، ويكفي المعتصم نوبة عمورية (٤)، وما ظهر فيها من عزيمته المصمّمة، وشكيمته المهيمنة، وإنه لما هتفت باسمه تلك المرأة. هفت إليها طلائع الممرة وقال:
لا يكشف الغماء إلا ابن حرّة (٥)
وقاد إليها عسكرًا يتشكى الشتاء البارد حرّه، فأتى عمورية وهو يرى غمرات الموت ثم يزورها، وقاسم أهلها سيوفه، فكانت في عساكره غواشيها وفيهم صدورها (٦)، حتى يسر الله له فتحها، وقدّر له منحها، ويقال إنه افتر في يوم شديد البرد من أيامه عليها أربعة آلاف قوس، ورمى على كل قوس منها سهما، وكان يومًا يودُّ بياض نهاره لو كان لوقود النار فحما ولم يكن المعتصم يعاب إلا بأمية فيه، وإنه عمل في المحنة (٧) بوصية أخيه
(١) انظر: تاريخ الطبري ٨/ ٦٦٧ وكامل ابن الأثير ٥/ ٢٣١ وتاريخ بغداد ٣/ ٣٤٢ ومروج الذهب ٢/ ٣٦١ وتاريخ اليعقوبي ٣/ ١٩٧. (٢) كذا في الأصل، ولم أتبين معناها. (٣) كذا. (٤) كان فتح عمورية سنة ٢٢٣ هـ، انظر: تاريخ الطبري وكامل ابن الأثير (أحداث سنة ٢٢٣ هـ) وتاريخ اليعقوبي ٣/ ٢١٥ والفخري ص ١٧٣. (٥) تضمين شطر بيت لجعفر بن علبة الحارثي وعجزه: يرى غمرات الموت ثم يزورها: (ديوان الحماسة ص ٣٢). (٦) تضمين لبيت جعفر بن علبة الحارثي: تقاسمهم أسيافنا شر قسمةٍ … ففيناغواشيها وفيهم صدورها الحماسة ص ٣٢. (٧) يريد محنة خلق القرآن.