للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فأَخَذَ النَّاس بها، وواخذ من امتنع، ودعا إليه بالسيف والسوط، وجرى زمانه كله لا يني على هذا الشوط، حتى ألزم بكلمتها، وشوه وجوه أيامه المبيض بظلمتها، على أنه لم يكن إذا علم عمل به فاتبعه، وعلم أنه الحق فشرعه، إلا أنه سمع قولًا ظنَّهُ الصدق فأيَّدَهُ، وتلقى وصيته عن أخيه فعمل بها وقلده، وسأل أحمد بن حنبل (١) فأيده الله بالقول الثابت، وابتلاه بأنواع البلاء وهو بمواجهته بالإنكار لقوله متكلم لا ساكت.

وكان مغرى بالاستكثار من الأتراك، ما مات حتى كمل ثلاثين ألفًا منهم، وكان معظمًا لهم، موفرًا نصيبهم، حكي أنه أجلس مملوكه اشناس (٢) إلى جانبه على كرسي، وتوجه بتاج من ذهب، ووشّحه بوشاحين ذهب، مرصعين بالجواهر، وطوّقَهُ بطوق ذهب مجوهر بقطع يواقيت أصغرها زنة عشرة مثاقيل، وسوّره بسوارين ذهب، وعقد له ثلاثة ألوية، وحمله على فرس أدهم أغر من مراكيب الخلافة بسرج ثقيل ذهب مرصع بالجوهر واللؤلؤ الثمين، وقاد خَلْفَهُ سبعة أفراس وعمل له موكبًا يحمل في السلاح والعمد والطبرزينات (٣) والتراس، والخزانة، وغير ذلك من شعار الملوك، وخاطبه بملك الأمراء وكذلك صنع ببابك الخرّمي (٤) في التعظيم والتكريم، حتى أطلع على سوء معتقده، فجعله همة حتى أصاره إلى ما صار وأحلّه وبعض ما يستحق دار البوار.

وعن محمد بن القاسم، قال: دَخَلَ المعتصم يومًا إلى خاقان يعوده، فرأى ابنه الفتح وهو صغير لم يتعد، فمازحه ثم قال: أيما أحسن دارنا أم داركم؟ فقال الفتح: يا سيدي دارنا إذا كنت فيها أحسن، فقال المعتصم: لا أبرح أو ينثر عليه مائة ألف درهم، فأحضرت، ونثرت عليه.

وحكى علي بن الحسين بن عبد الأعلى أن عبد الله بن طاهر أهدى إلى


(١) انظر امتحان الإمام أحمد بن حنبل في تاريخ اليعقوبي ٣/ ٢١٢ وكامل ابن الأثير ٥/ ٢٣٣.
(٢) أشناس، من أمراء المعتصم الشجعان توفي سنة ٢٥٢ هـ انظر: الوافي ٩/ ٣٧٨.
(٣) الطربزينات، فارسي معرب، ومعناه فأس السرج لأن فرسان العجم تحمله معها للقتال.
(٤) كذا ورد في الأصل، وهو وهم، إنما فعل المعتصم ذلك مع الأفشين قائده التركي الذي حارب بابك وأسره، وكان بابك قد ظهر في البذ سنة ٢٠١ هـ وهزم من جيوش السلطان ما وجه إليه حتى كانت أيام المعتصم، أرسل إليه الأفشين سنة ٢٢٠ هـ وحدثت بينهما عدة وقعات، ثم استطاع الأفشين من هزيمة بابك واسره، وقدم به إلى سامراء فقتل بها سنة ٢٢٣ هـ. انظر تاريخ الطبري ٩/ ١١ وما بعدها وتاريخ اليعقوبي ٣/ ٢١٢.

<<  <  ج: ص:  >  >>