للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

سواه، ووجد به وجدًا قلَّ مَنْ قارَبَهُ فيه أو ساواه، وغاب عنه ساعةً يرى فيه أُمَّهُ وهي تموت فقال: [من مجزوء المتقارب]

تغيب فلا أفرَحُ … فليتك لا تبرح (١)

وإن جئت عذَّبْتَني … بأنَّك لا تمح

فاصبحت ما بين ذين … ولي كبد تجرح

على ذلك يا سيدي … دَنُوّك لي أصلح

وقد قيل إن اسمه الزبير (٢)، وكان يوصف بالحزم والعزم على صغر سنه فلما ولي الخلافة صغيرًا (٣) استقل بأعبائها، وكان قد بويع بعده لأخويه المؤيد (٤)، ثم الموفق، ثم اجتمع الأتراك عليه وطالبوه أن يخلع نفسه (٥)، ولم يزالوا يضربونه (٦) حتى أجاب إلى الخلع وكتبوا بذلك كتابا على نفسه، ثم أدخلوه على المهتدي فقال له: أَخَلَعْتَ نفسك، قال: بل خُلعْتُ، فوجئ في قفاه حتى سقط، ثم أقيم، فقال: خَلَعْتُ نفسي، وسلَّمْتُ ورضيت، ثم أخرج في الحر حافيًا، فطلب نعلا فلم يُعطاه، فأرخى سراويله ومشى عليه، ثم عُذِّب بأنواع العذاب، وأدخل حمامًا وهو عطشان ثم أخرجوه، فطلب ماء، فجيء بماء مثلوج فشربه فمات، وذلك يوم الأربعاء لثلاث بقين من رجب سنة خمس وخمسين ومائتين، ومدة خلافته أربع سنين وسبعة أشهر، وكان عمره أربعًا وعشرين سنة. وكان أبيض اللون أسود الشعر جميل الصورة.

ثم:

[١٤] دولة المهتدي بالله (٧): أبي عبد الله محمد بن هارون الواثق

وكان كلقبه مهتديًا، وبالسلف الصالح مقتديًا، وللعفاف تابعًا، وبالكفاف قانعًا،


(١) في الأغاني: ما تبرح.
(٢) وقيل إن اسمه محمد، انظر مصادر ترجمته.
(٣) بويع للمعتز بالخلافة وله سبع عشرة سنة واشهر. الأغاني ٩/ ٣٢٢.
(٤) اسمه إبراهيم. خلعه المعتز سنة ٢٥٢ هـ وحبسه، ومات بنفس السنة (الطبري ٩/ ٣٦١ ومروج الذهب ٢/ ٤٥٥).
(٥) انظر الخبر مفصلا في تاريخ الطبري ٩/ ٣٨٩ ومروج الذهب ٢/ ٤٥٦.
(٦) في الأصل: يضربوه.
(٧) المهتدي بالله، محمد بن هارون الواثق بن محمد المعتصم بويع له بعد خلع المعتز سنة ٢٥٥ هـ فحاول أن يسير سيرة عمر بن عبد العزيز، إلا أن الترك انتقضوا عليه ببغداد فخرج لقتالهم، فتخلّى عنه =

<<  <  ج: ص:  >  >>