بركياروق (١) ليعلم فيه، فقرأه وتدبره وعلم (بما)(٢) فيه، ثم قدم إليه طعام، فأكل منه وغسل يديه، وعنده قهرمانته شمس النهار فقال: ما لهؤلاء الأشخاص الذين دخلوا عليَّ بغير إذن قالت: فالتفت فلم أر شيئًا، ورايته قد تغيرت حالته، وأسترخت يداه ورجلاه، وانحلت قوّته، وسقط إلى الأرض، فظننتها غشية لحقته، فحلَلْتُ ثوبه، فوجدت (٣) عليه إمارات الموت، فتماسكت وقلت لجارية عندي: ليس هذا وقت إظهار الجزع والبكاء، فإن صحتِ قتلتك. فأحضرت الوزير فأعلمته الحال، فشرعوا في البيعة لولي العهد.
وكانت أيامه كثيرة الخير واسعة الرزق، وعمرت محال بغداد، وتوفي في [يوم السبت خامس عشر المحرم سنة سبع وثمانين وأربعمائة](٤).
ثم:
[٢٨] دولة المستظهر (٥) بالله، أبي العباس أحمد بن عبد الله المقتدي
ولم يكن مثل أبيه في تأبيه، بل كانت له يقظة نبيه، وكان مقبلًا على لهوه، مشتملا على زهوه، يميل إلى الخمر، ويميل به شكر، ويميد بمعطفه فيسجد ثملًا لا شكرًا، لا يعرف راحة إلا موصولة براح، ولا اقتداح مَسَرَّة إلا بأقداح، فلا تعطل حبب الكؤوس، ولا حبب عقد (٦) العجوز العروس، أوقاته كلها طرب وانتشاء، وحرب في كؤوس تدور بها أيدي بدور بكرة وعشاء، وكان ذا حظ في الأدب، وحض إليه وندب، وباسمه ألف أبو القاسم بن محمد الحريري (٧) كتاب
(١) بركياروق، أبو المظفر ركن الدين بن السلطان ملكشاه بن الب أرسلان بن داود بن ميكائيل أحد ملوك السلجوقية، ولي المملكة بعد موت أبيه، وكان أخوه سنجر نائبًا عنه في خراسان، توفي سنة ٤٩٨ هـ ببروجرد. انظر: وفيات الأعيان ١/ ٢٦٨ والوافي ١٠/ ١٢١ والكامل ٨/ ٢٢٣. (٢) زيادة يقتضيها السياق. (٣) الأصل: فوجدته. (٤) ما بعده فراغ في الأصل، وأتممناه من الكامل. (٥) المستظهر بالله أحمد بن عبد الله المقتدي، بويع له بالخلافة بعد موت أبيه وله ست عشرة سنة، واتسق له الأمر، وكانت أيامه مضطربة كثيرة الحروب توفي ببغداد سنة ٥١٢ هـ. انظر: كامل ابن الأثير ٨/ ١٧٠ وتاريخ الخلفاء ص ٤٢٦ ومختصر ابن الكازروني ص ٢١٥ والفخري ص ٢٢٠. (٦) كذا وردت في الأصل، ولعل لها قراءة أخرى. (٧) القاسم بن علي بن محمد بن عثمان أبو محمد البصري الحريري صاحب المقامات أحد أئمة الأدب المتوفى سنة ٤٩٠ هـ. انظر: وفيات الأعيان ٤/ ٦٣ ومعجم الأدباء ١٦/ ٢٦١ وشذرات الذهب ٤/ ٥٠ والوافي ٢٤/ ١٣١ وبغية الوعاة ٢/ ٢٥٧.