رق، وقد تقدّم في ترجمة أبيه المسترشد الخبر الغريب في سرعة البلوغ مبالغ الرجال، وما كان من مبايعته بعد مقتل أبيه، وإباء السلاجقة له لإفراط خوفهم منه وجرأة الراشد وتسرّعَهُ وحدّة نفسه، وأهمّ السلاجقة أمره، وجعلوه نصب عينهم، ومن الغريب أن المسترشد كان قد أعطاه عدّة جواري، فحملت منه جارية حبشية صفراء، وهو إذ ذاك ابن تسع سنين، فأنكر المسترشد هذا، ثم أَمَرَ بأن يطأ جارية حملت قطنًا، فوطأها، فلما قام عنها أخرج القطن وعليه المني، فأرى المسترشد ثم أمر بأن يُفعل كذلك في جارية أخرى، فكان الأمر كذلك، فحينئذ أيقن ببلوغه، وألْحَقَ الولد.
ثم:
[٣١] دولة المقتفي (١) لأمر الله، أبي عبد الله محمد بن أحمد المستظهر
كان مما يبطن خلاف ما يظهر كان يظهر قبل مصير الخلافة إليه الانقطاع والعبادة، وملازمة السجود والسجادة، مع سوء معتقد وطوية، وقبح عقد ونية، وظلم لا يأمن معه بريء، وتسلّط كالأسد الجريء، لم يكن فيه ثراء للمعتفي، ولا كان لأمر الله المقتفي، بل كان يتخفّى ببوائقه، ولا يختفي، ويخرج ويشره إلى خارج قصره ولا يكتفي، وهو مع ذلك يصانع ويُداري، ويستر العار بالعواري، ولا يظهر له من ريبة ثوبًا، ولا ينتظر له بتوبة أوبًا، بل هو في دَنَسِ لا يَنْقى، وذنوب لا توقى، وملازمة زخارف لا تبقى، وسماع ملاه يلقى بين ضروب ملاح بريقها يُسقى، ولهيب راح لا يضلاها إلا الأشقى، هذا إلى ما فيه من نكوب عن الرشاد، ونكول عما شيّد سلفه وشاد، ولم يكن بعيدًا من أبيه المستظهر في مواصلة اللهو ومواقيته، والخمر وترصيع أوانيه بيواقيته، لكنه كان يزيد عليه بأنه كان ظالمًا عسوفا، حاكما جائرًا عنيفا (٢)، طالَتْ مدّته وثقلت، وقطعت أعمار الخلق حتى انقصَلَتْ، هذا كله وعارضه أشيب، وقد آن له على أنّهُ أَيَّدَ من عون الدين أبي المظفر يحيى بن
(١) المقتفي لأمر الله، بويع له سنة ٥٣٠ هـ بعد خلع الراشد، والأمور بيد السلاجقة، إلا أنه استطاع بعد موت السلطان مسعود من استلام زمام الأمور، وكان حازمًا شجاعًا يقظًا، باشر الأمور بنفسه، توفي سنة ٥٥٥ هـ. انظر: كامل ابن الأثير ٨/ ٣٥٤ ومختصر ابن الكازروني ص ٢٢٩ والمنتظم ١/ ١٦ - ١٧٦ وتاريخ الخلفاء ص ٤٣٧ والوافي بالوفيات ٢/ ٩٤ وتاريخ مختصر الدول ص ٣٥٧ والفخري ص ٢٢٧. (٢) على أن مصادر ترجمته وصفته بغير ذلك، وكذلك فعل المؤلف في آخر أخباره، قالوا: كان من سروات الخلفاء عالمًا دينًا شجاعًا حليمًا دمث الأخلاق كامل السؤدد قليل المثل في الخلفاء لا يجري أمر في دولته وإن صغر إلا بتوقيعه: انظر تاريخ الخلفاء ص ٤٤٠ وهو ينقل عن الذهبي والوافي ٢/ ٩٤.