للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ثم:

[١٢] دولة (١) المستعين بالله، أبي العباس أحمد بن محمد المعتصم

ولي بالمشاورة وبُلِيَ بالمساوَرَة، وغالبه المعتز حتى غَلَبَهُ، وناصبه حتى ابتز منه الملك وسَلَبَهُ، وكان ألثغ اللسان لا ينعش الألفاظ من عثراتها، ولا يُنعم النظر في تجنّب معراتها، وكان يجعل الشين ثاءً، وزبد كلامه الغث كله زبدًا غثاء، وكان من سفلة الخلفاء، لا يصعد به جده هاشم، ولا جده الذي هو لمعاطس الأعداء، ولوجوههم هاشم، لا يطاوعه على الحزم الرأي الرائن (٢)، والعزم الخائب الحائن (٣)، وكان أردى في هذا من الأمين حالًا، وأكدى محالًا، واستوزر وزيرًا (٤) ناسبه في هذه الأحوال، وحاسبه على فعله حالًا فحال، حتى انحل سياج دولته، وانفتل جيش صَوْلَتِهِ، وآل أمر المستعين إلى ما آل، ومال إلى سوء رأيه في سوء مآل. وكان مع هذا غير مقبول الصورة، ولا مأمول السورة، إذ إنه لم يخل من مجالس أنس وندمان، ونفس تبادر ببذل المال صرف الزمان، فكان يهب البِدَر، ويَعِدُ بأمثالها إذا قدر، وكان لا يمل ودّ الصديق ولا يمل إلى من وشى به إصغاء التصديق، فكان فيه مما يُحمد هاتان الخلتان والحَسَنَتان الحَسِنتان، وكان ينظم الشعر إلا أنه من سقط المتاع، ويجيء به بلا كلفة، إلا أنه مما تجود به الطبيعة لا الطباع، وكان قد بويع بالخلافة يوم الاثنين لست خلون من ربيع سنة ثمان وأربعين ومائتين، ثم بايع الأتراك أخاه المعتز، فأرسل المعتز أخاه الموفق (٥) فنزل بغداد وحاصرها، فلم يزل أمر المستعين يضعف وأمر المعتز يقوى، فبعث إلى المعتز يسأله (٦) أن يعطيه خمسين ألف دينار ويقيم حيث يشاء، وعلى أن يكون بغا ووصيف اللذين كانا صنيعة له أحدهما على الحجاز وما والاه، والآخر على الجبل وما والاه ثم خلع سنة اثنتين وخمسين،


(١) انظر عن خلافة المستعين: تاريخ الطبري ٩/ ٢٥٦ ومروج الذهب ٢/ ٤٣٣ وكامل ابن الأثير ٥/ ٣١١ والنجوم الزاهرة ٢/ ٣٢٨ وتاريخ الخلفاء ص ٣٥٨ والفخري ١٧٩ واليعقوبي ٣/ ٢٣٢.
(٢) الرائن: الدنس.
(٣) الحائن: المهلك.
(٤) استوزر المستعين أبا موسى أوتامش، وكان المتولي لأمر الوزارة والقيم بها كاتبًا لأوتامش يقال له شجاع بن القاسم، انظر: مروج الذهب ٢/ ٤٣٣ وتاريخ الطبري ٩/ ٢٥٦.
(٥) هو أبو أحمد بن المتوكل على ما في تاريخ الطبري ٩/ ٢٩٠.
(٦) في الأصل: أسئلة.

<<  <  ج: ص:  >  >>