المقامات بأمر وزيره شرف الدين أنو (١) شروان بن خالد. وكان ابن جهور يقول: إنّ الذي أشار عليه بها في قوله: فأشار مَنْ إشارته حكم وطاعته غُنْم، إنه المستظهر، قال: ابن الشريشي: وكان للمستظهر (٢) رغبة في الطلب وعناية بأهل العلم.
قال: وحدث ابن جهور أنه دخل بغداد في أيامه وبها ألف وخمسمائة رجل حامل علم، وكلهم قد أثبت اسماءهم السلطان في الديوان، وأجرى على كلّ أحدٍ من المال بقدر حظه من العلم.
قال: وكان ابن جهور يحدث أن الحريري ألف المقامات كلها على الركاب، وذلك أن المستظهر لما أمره بصنعتها خرج كالحافظ على العمال. وكان يخرج في الأبردين يتمشى في ضفتي دجلة والفرات، يصقل خاطره بنظر الخضرة والمياه. فلم ينقض فصل العمل إلا وقد اجتمع له مائتا مقامة، فخلص منها خمسين وأتلف الباقي، وصدر الكتاب ورفعه فبلغ عنده أعلى المراتب، انتهى كلامه.
قلت: وفي أيام المستظهر أَخَذتْ الفرنج بيت المقدس (٣) وأكثر بلاد الشام، وظهر التهتك بالقبائح وقلة الاحتشام وفشى أمر الربا وشرب الخمر والزنا، وكثرت الملاهي وقلت النواهي، وعظمت تلك الدواهي، فَعُجّل بهم العقاب، وعذَّبوا بأخذ البلاد منهم، وهو أخف العذاب.
وكان المستظهر ذا نادرة كتب إليه الأبيوردي (٤) قصة وكتب على رأسها الخادم المعاوي، فكشط الميم فصارت العاوي.
ثم:
[٢٩] دولة المسترشد (٥) بالله: أبي منصور الفضل بن أحمد المستظهر
وكان مع الملوك كشأن الخلفاء قبله، وعلى ما كان عليه مَنْ كان مثله، وكان
(١) في الأصل: أبو، وهو أنو شروان بن خالد بن محمد القاشاني المتوفي سنة ٥٣٢ هـ. انظر الفخري ص ٢٢٥ وفيه أن الحريري ألف المقامات له، وإليه اشار بقوله: فأشار من إشارته … . (٢) الأصل: المستظهر. (٣) أخذها الفرنج سنة ٤٩٢ هـ بعد حصار شهر ونصف وقتلوا به أكثر من سبعين ألفًا انظر: تاريخ الخلفاء ص ٤٢٧ وكامل ابن الأثير ٨/ ١٨٩. (٤) الأبيوردي، محمد بن أحمد القرشي الأموي، أبو المظفر، شاعر مجيد، ولد في أبيورد بخراسان، مات مسمومًا في اصبهان سنة ٥٠٧ هـ، وشعره كثير مجموع في ديوان انظر: معجم الأدباء ٦/ ٣٤١ ومرآة الزمان ٨/ ٤٨ ووفيات الأعيان ٢/ ١٦ والوافي بالوفيات ٢/ ٩١. (٥) المسترشد بالله، أبو منصور الفضل بن أحمد المستظهر بالله بن المقتدي العباسي، بويع بالخلافة بعد =