المتابعة، وكان أحط رتبةً من إخوته وارتع رتبه في نخوته، لولا طيش لا ترفع معه منار، وتهافت أوقع به من الفراش على النار، قدم مدة خلافته وأيامه سنون، وأحكامه جنون، وتصديقه ظنون، وتحقيقه منون، لا يقف مع تدبير سئوس، ولا يتوقف في تدمير نفوس، وكان يتطاول إلى فعل أيامه بهمة خانها الرأي الثاقب، وعزمة أنها لا تفكر في العواقب، فعاجَلَ أقوامًا ما كان ضَرَّه لو طاوَلَهُم، وأَكْمَنَ لهم حتى استأصلهم، لكنّه كان خائر العزيمة خائف الفوات، على أول ما يظفر به من الغنيمة، يورطه عظيم تهوّره وتسلطه على ما يُريد سقيم تصوره، فأدى به تفريطه إلى أنه خُلع وسمل (١) ثم ألحق بسخط الراضي وشمل، ثم عطف عليه فتعرض لأمر اطرح به وأُهمل، وكان في داره ما له رزق يقيته، ولا رزء يميته، فقام يستعطي في المسجد الجامع، حتى أعطى ما لو أنه الحياة لما امسكت به الأرماق، أو الدمع لما بلت به الآماق.
ثم:
[٢١] دولة الراضي (٢) بالله، أبي العباس محمد بن جعفر المقتدر
وكان مطاعًا صؤولًا، قطاعًا وصولًا، وهو آخر مَنْ جُمع من الخلفاء شعره في ديوان، وجَلَسَ لهم جلوسًا عامًا في إيوان، وقام خطيبًا على المنبر، وفعل أفعال مَنْ بر، وحاضره الندماء، وسامَرَهُ منهم كواكب ثقلها الأرض لا السماء، وكان يتحرى عوائد سَلَفِهِ في ترتيب الخلائف. وتبويب الوظائف، وكان عارفًا بلغة العرب، عاكفًا على ما لا حَرَجَ فيه من الأرب، مولعًا بالأدب، ولوع القشيري (٣) بريا، والمغيري (٤)
= جيد البديهة توفي سنة ٣٥٢ هـ. انظر: فوات الوفيات ١/ ٢٠٥ ويتيمة الدهر ١/ ١١٠ والوافي بالوفيات. ١١/ ١٤٨ (١) خلعه فواده من الساجية والحجرية سنة ٢٢٢ هـ. وسملوه ومات سنة ٢٣٨ هـ. انظر التفاصيل في كامل ابن الأثير ٦/ ٢٣٦ ومختصر تاريخ الدول ص ٢٨٠ وتجارب الأمم ١/ ٢٨٦. (٢) الراضي بالله أبو العباس محمد بن جعفر المقتدر، حاول أن يصلح ما أفسده سلفه فلم يستطع، واستقدم محمد بن رائق عامله على واسط والبصرة والأهواز، وقلّده إمارة الجيش وإمرة الأمراء، ولم يبق للخليفة غير الاسم، واستقل الأمراء في الأطراف، توفي ببغداد سنة ٣٢٩ هـ. انظر: تاريخ بغداد ٢/ ١٤٢ وكامل ابن الأثير ٦/ ٢٣٧ ومروج الذهب ٢/ ٥٥٣ واخبار الراضي والمتقي وفي البداية والنهاية ١١/ ١٩٦ وفوات الوفيات ٢/ ١٨٥ وتجارب الأمم ١/ ٢٨٩ وتاريخ الخلفاء ص ٣٩٠. (٣) الأصل: المطيري، وهو تحريف، وهو الصمة بن عبد الله القشيري من شعراء الحماسة. (٤) هو عمر بن أبي ربيعة وأخباره مع الثريا كثيرة مشهورة في كتب الأدب.