للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

إليه من الإرث الأبوي والأثر النبوي، فلما قدم تلقى بإجلال الخلفاء، وحمالة المواكب بالسادات والشرفاء، حتى إذا دخل القصر، دخل من سعة الفضاء إلى ضيق الحصر، وكانت سني ملكه حتى جاوزت إحدى وأربعين، وتغيرت دول الملوك، ولا يجد من على الأرب يُعين، فكان كلّما أتى آب سلك سبيل من كان قبله من التضييق، وتركه من قبله في قصره المتسع في مضيق، وكان في صباه مقصورًا على جوب وهيام، وحور مقصورات في الخيام، له كَلَفٌ بالجواري والعذارى الهيف، ذات كل ردف ثقيل وخصرٍ لطيف، وله بكؤوس المدام اهتمام، وبكوب السابقين إلى حل العزام التئام، ومما ينفق من عمره من غير الندام اغتمام، فكان لا يبرح صريح جام ملان، أو في استجمام لرحيق ريق فلانة أو أم فلان، فما نهضت له قط كلمة، ولا قط بالسيف رأس عدوّه ولا قلمه، فكان مدة ولا يته لا يضر ولا ينفع، لا ولا يرشح لأنه يأمر لا ولا أن يشفع، فما كان على شيء كما قال قادرًا، ولا وفيًا ولا غادرًا، ثم مات حنف أنفه، ولا شكر الناس من لينه، ولا شكوا من عُنْفِهِ (١).

ثم:

[٢٦] دولة القائم (٢) بأمر الله: أبي جعفر عبد الله بن أحمد القادر

ولي بعهد أبيه القادر، وعهد زمانه يعد فيه أمور كلها في الناذر، ولي مرتين، وسار فيها سيرتين، فأما الأولى فكان فيها لصيد وقنص، وأما الثانية فكان فيها لتصدّ وقصص، وامتدت أيامه أكثر من أبيه، وكثر فيها تخليط أعدائه ومحبّيه، وكان أرضى من أبيه نبا، وأمضى سنا، وأهبّ صبا، وأَشَبَّ إلى العلو على صبا، وكانت همّته ملوكية وإن لم يجد سبيلا إلى اقتداح زنادها، ولا رسيلًا إلى اقتراح عهادها، وكان لا


(١) في وصف المؤلف للقادر بالله اختلاف كبير عما أجمع عليه مؤرخوه، قال ابن الأثير: وكانت الخلافة قبله قد طمع فيها الديلم والأتراك، فلما وليها القادر بالله أعاد جدتها وجدد ناموسها، والقى الله هيبته في قلوب الخلق فأطاعوه أحسن طاعة وأتمها وكان حليمًا كريمًا خيرًا، يحب الخير وأهله، ويأمر به وينهى عن الشر ويبغض أهله.
(٢) أبو جعفر عبد الله بن أحمد القادر بالله العباسي، ولي الخلافة بعهد من أبيه سنة ٤٢٢ هـ، وصف بالعدل والورع والرفق بالرعية، والعناية بالأدب، حاربه البساسيري واستنصر عليه المستنصر الفاطمي سنة ٤٥٠ هـ ثم قبض عليه وحبسه، ثم قدم طغرلبك فقتل البساسيري وأعاد الخليفة إلى دار ملكه توفي سنة ٤٦٧ هـ. انظر: تاريخ بغداد ٩/ ٣٩٩ وكامل ابن الأثير ٧/ ٣٥٤ وما بعدها والنجوم الزاهرة ٥/ ٩٧ وتاريخ الخلفاء ص ٤١٧ ومختصر ابن الكازروني ص ٢٠٢.

<<  <  ج: ص:  >  >>