للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ومولده سنة خمس وتسعين، وتوفي في ذي الحجة لست خلون منه سنة ثمان وخمسين ومئة، وعمره ثلاث وستون سنة (١)، ومدته نحو اثنين وعشرين سنة، وقبره ببئر ميمون قرب مكة المعظمة.

ويروى له من الشعر قوله: (٢): [من مجزوء الكامل]

المرء يهوى (٣) أن يعيش … وطول عيش قد يضُره

تفنى (٤) بشاشته ويبقى … بعد حلو العيش مره

وتصرف (٥) الأيام حتى … ما يرى شيئًا يسره

كم شامت وبي إن هلكت … وقائل الله دره

ثم:

[[٣] دولة المهدي: أبي عبد الله محمد بن المنصور]

وكان أبوه قد عهد أموره، وقرب له مدى الخلافة، وما مات حتى أكد له البيعة، ووثق له أسباب الملك، وكان مما بالغ فيه من التمهيد له أنه أثره دونه بحسن السمعة وخلاص الذمة، فإنه أَخَذُ أموالًا حسنة من الناس وأودعها (٦) بيت المال في أكياسها، وكتب على كل مال اسم صاحبه، ثم لما عزم على الحج قال له: يا بني إذا أنا مُتُّ ردّ كل مال على صاحبه ليحبوك، فلما مات رَدّ الأموال على أهلها، وقالوا ظلمنا أبوه وأنصفنا هو فأحبوه، وتيمنوا بأيامه، ولما ولي نفس خناق الناس، وحلّ عُقد أبيه، وأزال تشدّده، وأطلق ما أمسك به يديه، ولم يحرم طالب ثواب ولا أخذ بطائل عذاب، وكانت أيام هدوء وأعوام خصب، رقت بها حواشي الحنو، وَرَدَتْ الأمة ناهلها صفوا، وردت نقمها عَفْوا، وَوَرَفَتْ ظلال حلمها فلم يدع هفوا، وأكْثَرَ نَقَلَةُ الأخبار على أنه كان لا يرتضع كأسًا، ولا يكاثر لهوا، ولا يقبل فيما ينشد لغوا، بريئًا بنفسه إن يتشاوس نظره زهوًا، ويأبى أن يقارف عزيمته سهوا، وكان قريبًا مهيبًا، متوسطًا في أموره، متناسبًا في أحواله، وفي المهدي يقول ربيعة الرقي (٧): [من السريع]


(١) في أنساب الأشراف ٣/ ٣١٠، وكان يوم توفي ابن أربع وستين سنة، وانظر الخلاف في مقدار عمره في تاريخ الطبري ٨/ ٦١.
(٢) الأبيات له في أنساب الأشراف ٣/ ٣٠٧.
(٣) في الأنساب: يأمل.
(٤) في الأنساب: تبلى.
(٥) في الأنساب: وتخونه.
(٦) في الأصل: وأودها.
(٧) أبو ثابت ربيعة بن ثابت بن لجأ بن العيذار الأسدي، الرقي، شاعر غزل محسن، كان ضريرًا، عاصر =

<<  <  ج: ص:  >  >>