أأخي خفّض من مُنَاكا … فكأنَّ يومك قد أتاكا
ولقد أتاك الدهر من … تصريفه ما قد كفاكا (١)
وإذا رأيت الناقص العبد … الذليل فأنت ذاكا (٢)
مُلِكتَ ما مُلكته … والأمر فيه إلى سواكا
وذكر عنه أنه كان في مجلس من أعلى باب خراسان إذ جاء سهم عائر (٣) فسقط بين يديه، فذعر وجعل يقلبه، فإذا بين الريشتين مكتوب: [من الوافر]
أتطمع في الحياة إلى المعاد … وتحسب أن مالك من نفاد
ستسأل عن ذنوبك والخطايا … وتسأل بعد ذاك عن العباد
ثم قرأ عند الريشة الثانية: [من البسيط]
أحسنت ظَنَّكَ بالأيام إذ حسنت … ولم تخف سوء ما يأتي به القدر
وسالمتك الليالي فاغتررت بها … وعِندَ صَفو اللّيَالي يَحدُث الكَدَر
ثم قرأ عند الريشة الثالثة: [من البسيط]
هي المقادير تجري في أعنتها … فاصبر فليس لها صبر على حال
يومًا تريك خسيس الناس ترفعه … إلى السماء ويومًا تخفض العالي
وإذا على جنب السهم: رجلٌ من همدان مظلوم في حبسك، فبعث من فوره، ففتش عليه فوجده فأنْصَفَهُ وأزال ظلامته، ولما رأى ما رأى من العجائب المنذرة بهلاكه قال لحاجبه الربيع: إني أتخوّف على هذا الأمر قال له: مَنْ يا أمير المؤمنين تعني عيسى بن موسى وهو معك بالحضرة، فأمرني فيه بأمرك حتى أنفذه، فقال: لا ياربيع أن عيسى رجل ما أعطى الله عهدًا إلا وفى به. وإنما أتخوف صاحب الشام عبد الوهاب (٤) بن إبراهيم الإمام، ثم رفع يديه إلى السماء فقال: اللهم اكفني عبد الوهاب قال الربيع: فلما مات المنصور ودليته في القبر، وعرضت عليه الحجارة سمعتُ هاتفًا يهتف من القبر: مات عبد الوهاب، وأجيبت الدعوة، قال الربيع: فهالني ذلك الصوت، وجاء الخبر بعد سابعةٍ بوفاة عبد الوهاب (٥).
(١) في الطبري: أراكا.
(٢) في الطبري: فإذا أردت الناقص.
(٣) عائر: ضال لا يعرف راميه.
(٤) عبد الوهاب بن إبراهيم الإمام بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، ولاه المنصور الشام فمات هناك سنة ١٥٧ هـ انظر: أنساب الأشراف (٣/ ١٤٢) وتاريخ مختصر الدول ص ٢٠٩.
(٥) المروى أن عبد الوهاب مات سنة ١٥٧ هـ ومات بعده المنصور سنة ١٥٨ هـ.