فهل من حاجة، فنهضتُ لوداعه، فلما خرجت أتبعني مولى له بكسوة، وافترقنا، فوالله ما رأيته إلا وحرسيان قابضان علي يدنياني منه في جماعة من قومي لأبايعه، فلما نظر إلي قال: خليا عمن صحت مودته، وتقدمت/ خدمته، وأخذت قبل اليوم بيعته، ثم قال: أين كنت عني أيام أخي أبي العباس؟ فذهبت أعتذر، فقال: أمسك فإن لكلّ شيء وقتًا لا يعدوه، فاختر بين رزق يشغلك أو عمل يرفعك قلت: أنا حافظ لوصية أمير المؤمنين، قال: إنما نهيتك أن تخطب الأعمال ولم أنهك عن قبولها، قلت: الرزق مع قبول أمير المؤمنين أحبّ إلي، قال: هو أجم لقلبك، وأحب إليَّ لك، ثم قال: قد ألحقنا عيالك بعيالنا، وخادمك بخادمنا، وفرسك بأفراسنا، ثم ضمه إلى المهدي، فكان معه.
ورأى المنصور قبل موته بيسير أعاجيب كثيرة مؤذنة بهلاكة، منها: إنه (١) لما دخل آخر منزل نزله من طريق مكة نظر في صدر البيت الذي نزله فإذا فيه مكتوب: [من الطويل]
أبا جعفر حانت وفاتك وانقضت … سنوك وأمر الله لا بُدَّ واقع (٢)
أبا جعفر هل كاهن أو منجم … لك اليوم من حرّ المنيّة مانع (٣)
فأقرأ متولي المنزل البيتين، فقال: ما أرى شيئًا، فأقرأ حاجبه فقال كذلك.
فقال: اقرأ آية من كتاب الله تشوقني إلى لقائه، فقرأ: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ (٤)، فقال له: أما وجدت آية غيرها؟ قال: والله لقد محي القرآن من قلبي غيرها.
وهتف به هاتف قبلها بهذه الأبيات (٥): [من البسيط]
أما ورب السكون والحركِ … إنَّ المنايا كثيرةُ الشَّرَكِ
ما اختلف الليل والنهار … ولا دارت نجوم السماء في الفلكِ
إلا لنقل السلطان من ملكٍ … قد انتهى ملكه إلى ملك
ثم رأى بعد ذلك، كأن منشدًا ينشده:[من مجزوء الكامل]
(١) الخبر في مروج الذهب ٣٢/ ٢٤٣ وتاريخ الطبري ٨/ ١٠٧. (٢) في المروج: نازل. (٣) في المروج: يرد قضاء الله أم أنت جاهل. (٤) الشعراء: ٢٧. (٥) الخبر والأبيات في تاريخ الطبري ٨/ ١٠٧.