للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

أهل العراق أنا عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس، فقلت له: بأبي أنت وأمي ما أشبهك بنسبك، وأدلك على منصبك، ولقد سبق إلى قلبي من محبّتك ما لا أبلغه بوصفي لك، قال: فاحمد الله يا أخا بني تميم إنما يُسعد الله من أحبنا بحبه، ويشقى ببغضنا من أبْغَضَه ولن يصل الإيمان إلى قلب أحدكم حتى يحب الله ورسوله وأهل بيته، ومهما ضعفنا عن جزائه قوّى الله على أدائه، قلت: إن أيام الموسم ضيقة، وشغل أهل مكة كثير، وفي نفسي أشياء أحب أن أسأل عنها، أتأذن فيها؟ فقال: نحن من أكثر الناس مستوحشون، وأرجو أن تكون للسر موضعًا وللأمانة واعيًا، فإن كنت كما رجوت فافعل فقدمت من وثيق القول والأيمان ما سكن إليه، وتلا قوله تعالى: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ (١)، ثم قال: سل عما بدا لك، قلت: ما ترى فيمن على الموسم، وكان محمد بن يوسف الثقفي (٢)، فتنفس الصعداء، وقال: أعَنْ الصلاة خلفه تسألني؟ أم كرهت أن يتأمر علينا أهل البيت؟ قلت: عن كلا الأمرين. قال: إن هذا عند الله العظيم، فأما الصلاة ففرض الله تعبد بها خلقه، فأدّ ما فُرض عليك في كل وقت مع كل أحد، فإنه لو كلفك ألا تؤدي نسكًا إلا مع أكمل المؤمنين إيمانًا لضاق عليك الأمر، فاسمح يسمح لك. ثم سألته عن أشياء من أمور ديني، فما احتجت أن أسأل أحدًا بعده، ثم قلت: يزعم أهل العلم إنه سيكون لكم دولة، قال: لا شك فيها تطلع طلوع الشمس وتظهر ظهورها، فنسأل الله خيرها، ونعوذ به من شرها، فخذ بحظ لسانك ويدك منها إن أدركتها، قلت: وإنه يبتلي بكم من أخلص المحبّة؟ قال: قد روي إن البلاء أسرع إلى محبّنا من الماء إلى قراره، قال: فقلت له: إني أخاف ألا أراك (٣) بعد اليوم، قال: أرجوا أن أراك وتراني كما تحبّ إن شاء الله، قلت: عجل الله ذلك. قال: آمين، فقلت: ووهبني السلامة منكم فإني من محبيكم قال: آمين، وتبسم، ثم قال: لا بأس عليك ما أعاذك الله من ثلاث، قلت: ما هُنَّ، قال: قدح في الملك، وهتك في الدين، أو تهمة في حرمة، ثم قال: احفظ عني لا تجالس عدونا وإن اخطبناه، فإنه مخذول، ولا تخذل ولينا فإنه منصور، وأصحبنا بترك المماكرة، وتواضع إذا رفعوك، وصل إذا قطعوك، ولا تخطب الأعمال، ولا تتعرّض للأموال وأنا رائح من عشية


(١) الأنعام: ١٩.
(٢) محمد بن يوسف الثقفي أخو الحجاج استعمله على اليمن، ثم ضم إليه الجند، فلم يزل واليًا عليهما إلى أن توفي سنة ٩١ هـ، وكان ظالمًا سفاحًا. انظر: تاريخ الإسلام ٤/ ٥١ وتاريخ الخميس ٢/ ٣١٣.
(٣) في الأصل: أني لأخاف إني أراك.

<<  <  ج: ص:  >  >>