إلى المقتفي فوقع لهم: لا ذنب للذيب حيث افترس، وإنما الذنب للراعي حيث نعس، والذي صرفها المطري في حقه أحق من أربابها، فيفرج عنه، ولا يتعرض إليه والسلام.
قال ابن واصل: كان المقتفي فاضلًا حسن العقيدة، وله شعر حسن من جملته:[من السريع]
قالت أحبك قلت كاذبةٌ … غُرّي بذا مَنْ ليس ينتقد
قالت: فما أدراك؟ قلت لها: … الشيخ ليس يحُبُّه أَحَدُ
ثم:
[٣٢] دولة المستنجد بالله (١)، أبي المظفر يوسف بن عبد الله المقتفي
كان أبوه احتفر أوزارها، واحتقب شملتها (٢) وإزارها، لم يهب أن هجر الفحشاء أوزارها، ولا خاف مهاجمة الأسود أو زارها (٣)، تحلى بالعدل ولَزَمَه، وتجلى في الويل كالأذمه، فلم يزل يكفر سيئات تلك الذنوب، ويغسل أدناس تلك العيوب بالذنوب، إلى أن نسيت القروح، وأسيت الجروح، وتداول الناس شكرا المستنجد، وتحدث به المغير والمنجد، فكأنما بعث للأدواء مسيحًا، ومن اللأداء مريحا، وللآلاء مميحًا، وكان يتأمل القصص ويوقع عليها بيده لحق يحقه بكلماته، وباطل يبطله بإزالة ظلاماته، يقوم الليل ويُحييه بتهجدِهِ، ولا ينتقل إلا من موضع سريره إلى مسجده، ولا يعدو يمينه، ولا يعد ما ملك يمينه، مع اقتصار، وقصر طمع واختصار، لا يطلب الدنيا إلا ليذلها، ولا يجمع الأموال إلا لتشتيت شملها، وهو في هذا كله بقدر محدود، وظل لا منقبض ولا ممدود، بل لا يأخذ شيئًا إلا من حلّه، ولا يصرفه إلا في أهْلِهِ، لا جَرَم أنه ضرب به المثل الشرود، وسَحَبَ له أمثل البرود، مع أنه استقاد (٤) من عدوّه وانتقم، وشرب دَمَهُ والتقم، إلا أنه كان
(١) المستنجد بالله يوسف بن محمد المقتفي العباسي، بويع له بعد وفاة أبيه سنة ٥٥٥ هـ، فرفع المكوس وأزال المظالم، توفي ببغداد مخنوقًا بالحمام سنة ٥٦٦ هـ. انظر: كامل ابن الأثير ٩/ ١٠٨ ومختصر تاريخ الدول ص ٣٦٧ ومختصر ابن الكازروني ص ٢٣٣ وتاريخ الخلفاء ص ٤٤٢ والفخري ص ٢٣١ والنجوم الزاهرة ٥/ ٣٨٦. (٢) الأصل: سلمتها. (٣) أي: زئيرها. (٤) في الأصل: استفاد.