ثم في سنة خمس وخمسمائة (١): وصل سليمان (٢) شاه بن محمد شاه إلى خدمة المقتفي ملتجئًا إليه فأكرمه ووسع ضيافته وصدق في قبوله تفرسه وعيافته، ومال الخليفة إلى تمليكه، ولم يكن ذلك من رأي ابن (٣) هبيرة، وعاود الخليفة فيه مرارًا، وقال: هذا أمر دفع الله عن الخليفة شرّه، وكشف عنهم ضرّه، فلا تجدّد ما اطمأنت النفوس على تعطيله، وسكنت إلى ما جهدت في تبطيله، فقال الخليفة هذا قد لجأ إلينا، وسَلَكَ غير مذاهب أهل بيته في الاستكانة والخضوع، ولو أراد جمع عسكرًا وفسادًا في الأرض لقدر عليه، وحيث قد أتى الأمر من بابه، فلا بد من إجابته، فاستدعي إلى دار الخلافة، وجلس له الخليفة جلوسًا عامًا في مجلس عظيم. حضره ارباب الدولة والمناصب والأمراء والخدام والقراء والفقهاء كلهم متأهبون بالسواد، وجلس الخليفة من وراء شباك، وقام ذلك الجمع بين يديه سماطين طويلين، وقف الوزير ابن هبيرة على كرسي بين يدي الخليفة، وحضر سليمان شاه، فقبل الأرض ثم عَدَلَ به إلى بيت أُفيضت عليه الخلع فيه بالطوق والسوارين والتاج والخلع التامة، وقدم له فرس الخليفة بمركبه، وقلّد بسيفين وعُقد له لواءان، وأقيمت له الخطبة على منابر ولاية الخليفة كلها ولقب (٤) بغياث الدنيا والدين قسيم أمير المؤمنين، وعاد إلى دار السلطنة التي بأعلى بغداد، وحمل الخليفة إليه من الثياب والمال والخيل والبغال والجمال والأعلام والسلاح ما لا حَدَّ له، وكذلك حمل إليه الأمراء.
وكانت وفاة المقتفي بعلة التراقي، وهو خرّاج من كتفيه مكث به خمسة وعشرين يومًا، ومات في يوم الأحد ثاني ربيع الأول سنة خمس وخمسين وخمسمائة، ودفن ثاني يوم، وصلى عليه ابن هبيرة.
ومما يحكى أنه كان قد أخرج عشر جباب أطلس لتطوى من المخزن المقتفوي، فسلمت إلى المطري، ولم تثبت في دساتير الديوان وسهوا عنها حتى طلبت في السنة الثالثة، فأحضر المطري، وتوعد وهدد، فاعترف بأنه باعها وجهز بها بنتين له، فكتب
(١) كذا في الأصل: والصواب احدى وخمسين وخمسمائة. انظر: الكامل ٩/ ٤٨. (٢) سليمان شاه ابن أخي سنجر وولي عهده، فلما أسر الغز سنجر وضعف سليمان عنهم، مضى إلى خوارزم شاه، فقربه ثم أبعده، فجاء إلى أصبهان فمنعه شحنتها من الدخول فمضى إلى قاشان فسير إليه محمد شاه ابن أخيه محمود عسكرًا فأبعدوه عنها فسار إلى خوزستان فمنعه ملكشاه عنها، ثم حبسه نائب قطب الدين مودود بن زنكي عن الموصل، ثم أطلق فمضى إلى البندينجين وراسل الخليفة، فأذن له في القدوم إلى بغداد سنة ٥٥١ هـ. انظر الكامل ٩/ ٤٨. (٣) في الأصل: ابي. (٤) في الأصل: وبعث وهو تصحيف.