الغالب عليه جمال الدولة سنجر (١)، غلبة من يحجب ويحجر، والمسترشد يظهر اعتراضًا في ابتغاء، ويسر حسوا في ارتغاء (٢)، كأنه زند النار، ظاهره حجر وباطنه أوار، وبقي يتربص بسنجر الدوائر، ويوقد له النوائر، وسنجر لا يقع في حبالته، ولا يلين له جانب حالته، إلى أن قدّر لسنجر أجل أجله وأتيح، وألقي في مرط أمله وأطيح (٣)، فخف عن صدر المسترشد ثقل ذلك الطود، وأمن تحطم ذلك العود، وقام نور الدولة مسعود بن سنجر، ولم يكن نور الدولة ممن يتقيه ولا يخافه، ويجد في توقيه، فطمع في الوقوف على أمر مملكته، وعمل على موت مسعود وهلكته، ليخلو له الجوّ، ويُتبع الأسد الذاهب بالبو (٤)، قال الشريف الغرناطي: فصنع المسترشد دعوة عظيمة لنور الدولة مسعود بن سنجر، ووجوه الدولة، ونوى قتلهم، ففطن لذلك مسعود، فدخل عليه في رجلين من قرابته، وأومى إلى تقبيل يده، فجبذه بها جبذة شديدة، ألقاه بها عن السرير إلى الأرض، وألقى عمامته في عنقه وأراد خَنْقَهُ، ثم كفّ عَنْهُ، وخرج وفي قلبه منه ما فيه منه.
قلت: وبقيا على ازورار البغضاء وانحراف يقلهما على مثل الرمضاء، ثم قتل
= وفاة أبيه سنة ٥١٢ هـ. كان شجاعًا حازمًا أديبًا، حدثت في أواخر أيامه فتنة قام بها أمير أمرائه السلطان مسعود بن ملكشاه السلجوقي، فقاد المسترشد جيشًا لقتاله، فلما نشبت الحرب فر جيشه وبقي وحده، فاعتقله السلطان، وأخذه معه ليدخل به بغداد، فلما كانوا على باب مراغة دخل عليه جماعة من الباطنية فقتلوه سنة ٥٢٩ هـ ودفن في مراغة. انظر: كامل ابن الأثير ٨/ ٢٨١ و ٣٤٧ فوات الوفيات ٢/ ١٢٤ مرآة الزمان ٨/ ١٥٦ تاريخ الخلفاء ص ٤٣١ مختصر ابن الكازروني ص ٢١٩ والفخري ص ٢٢١ وتاريخ مختصر الدول ص ٣٤٩. (١) سنجر بن ملكشاه بن الب أرسلان السلجوقي، سلطان خراسان وغزنة وما وراء النهر، خطب له بالعراق والشام والجزيرة وأذربيجان وديار بكر والحرمين. تولى المملكة نيابة عن أخيه بركياروق، ثم استقل بها سنة ٥٢٢ هـ، حارب الغز وأسروه، ثم تخلص بعد مدة، توفي سنة ٥٥٢ هـ، بعد وفاته استولى خوارزم شاه على أكثر مملكته. انظر: كامل ابن الأثير في مواضع متفرقة من الجزئين ٨ و ٩ ووفيات الأعيان ٢/ ١٤٧ والوافي بالوفيات ١٥/ ٤٧١. (٢) يسر حسوًا في ارتغاء، مثل يقال للذي يظهر أمرًا ويريد غيره، الميداني ٢/ ٤١٧. (٣) من الواضح أن الأمر اختلط على المؤلف، أما سنجر فإنه توفي سنة ٥٥٢ هـ، بعد وفاة الخليفة، وأما الذي مات من سلاطين السلاجقة أيام المسترشد فهو السلطان محمود وملك بعده ابنه داود سنة ٥٢٥ هـ وخطب له ببلاد الجبل وأذربيجان، وسار سنجر إلى تبريز وأخذها ثم اصطلح مع ابن أخيه داود واستقرت السلطنة بالعراق لمسعود سنة ٥٢٦ هـ، ومسعود هو الذي حارب المسترشد واعتقله ولم يرضى بذلك عمه سنجر فكتب إليه يطلب منه الاعتذار إلى الخليفة واعادته مكرمًا إلى بغداد. انظر: كامل ابن الأثير ج ٨ في مواضع مختلفة منه. (٤) البو: جلد الحوار، يحشى تبنًا ويقرب من أمه لتدر عليه.