للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

بعد ذلك بأيدي الباطنية، وأُورِدَ أجن المنية، قتل بأرض الأعاجم وَدَخَلَ عليه الأجل المهاجم، وكانت قتلته بحي أصفهان القديمة، وثوت بها ركائبه المقيمة، وكان يمني نفسه الاستقلال بالخلافة من غير تشريك، ولا مزاحمة تكون لمليك. وكان المسترشد ينشد عند تزايد كربه وترافد الرجال في حربه:

أنا الأشقر الموعود في الملاحم (١)

وكان هكذا، أشقر أبيض، كأن لؤلؤًا على صفحاته ترقص، وأتى نعيه بغداد، فأظلم جوها لملم مماته، وأظلَّ أهلها غم وفاتِهِ، وارتجت لمهلكه أكناف العراق، وفاضت دجلة بالدموع التي تراق، ولم يبق بها ناحية إلا وبها نائحة، ولا جارحة إلا وفيها جارحة، لما فقدت من بعد سوفه، وعدل أمات العدو بخوفه.

وحكى مؤيد الدولة أسامة بن منقذ (٢)، قال: كان المسترشد يلحق بالصدر الأول من سَلَفِهِ في علو الهمة وحسن السيرة والإقدام العظيم، فإنه لما التقى هو وعماد الدين زنكي (٣) بن أقسنقر في المصاف بعقرقوب (٤) وأنا حاضر المصاف، ضرب له خيمة من أطلس أسود (٥)، ووضع له فيها تخت وحَبَسَ عليه، والخيل تطرد فكسر عسكر زنكي في يوم الاثنين السابع والعشرين من رجب سنة ست وعشرين وخمسمئة، فاستولى على ما فيه وانهزم زنكي إلى الموصل، وذلك الإقدام سبب تلفه، وأنشد القاضي جمال الدين محمد بن واصل للمسترشد (٦): [من الطويل]

أنا الأشقر الموعود بي في الملاحم … ومن يملك الدنيا بغير مزاحم


(١) الشطر له في تاريخ الخلفاء ص ٤٣٣ وبعد: ومَنْ يملك الدنيا بغير مزاحم
ستبلغ أرض الروم خيلي وتنتضى … بأقصى بلاد الصين بيض صوارمي
(٢) أسامة بن مرشد بن علي بن مقلد بن منقذ الكناني، مؤيد الدولة من آل منقذ أصحاب قلعة شيزر، ولم تزل بأيديهم حتى زلزلت فتفرقوا عنها وأخذها نور الدين زنكي، وكان أسامة من رجال آل منقذ وشجعانهم، شاعرًا أديبًا، ولد سنة ٤٨٨ هـ وتوفي سنة ٥٨٤ هـ. ودفن بدمشق وله مصنفات منها كتاب الاعتبار. انظر: الخريدة (قسم الشام) ١/ ٤٩٨ ووفيات الأعيان ١/ ١٧٥ ومعجم الأدباء ٥/ ١٨٨ والوافي بالوفيات ٨/ ٣٧٨.
(٣) عماد الدين زنكي بن آقسنقر، الملك المنصور عماد الدين صاحب الموصل، كاتبه السلطان مسعود وأمره أن يسير إلى بغداد ومعه دبيس بن صدقة ويستوليا على العراق، فسار إليهما الخليفة وقاتلهما وهزمهما سنة ٥٢٦ هـ، انظر ترجمته في الوافي بالوفيات ١٤/ ٢٢١ ووفيات الأعيان ٢/ ٧٩ والروضتين ١/ ٢٧ وكامل ابن الأثير ٨/ ٣٣٧.
(٤) كذا في الأصل، وهي عقرفوف قرية من نواحي دجيل بينها وبين بغداد اربعة فراسخ (ياقوت - عقرقوف).
(٥) اطلس: ضرب من الأكسية أسود.
(٦) الأبيات في تاريخ الخلفاء ص ٤٣٣.

<<  <  ج: ص:  >  >>