عَقَلَ وسَكِينَة، وفضلٌ يصلح دنياه ودينه، وكان لإفراط التضييق عليه، ولا يأخذ لقلبه فضاء ولا ينفذ حكمًا ولا قضاء، ثم غضى على ما تكره عينه، ولم يدر كيف يتقاضى دينه، إلا أنه استروح بمراسلة يوسف بن تاشفين (١)، وبرد حُرَقه بمكاتباته وما شفين (٢)، وهيهات بينهما عرض الأرض ومر البر ونحر البحر وملوك العبيديين بمصر، بين بحريهما حاجز، وحائل بينهما لا يزيله حاجز، وإنما كان يعلل نفسه بالمنى، ويؤمّل مدَدَ النصر من هنا ومن هنا، فلم تنقطع بينهما المكاتبات ولا حُجبت أرواح الابتداءات والمجاوبات، ولا يرغد عيشًا بعلالتها ويتملى ريا ببلالتها، وربما كتب إلى ملوك ما وراء النهر، فعومل الرسول بالرد والنهر، وقيل له: لو قمتم بأمور الدين وتركتم أباطيل السَّفَه وأقاويل الشُّبَه، وأخذتم بما تبين لا بما اشتبه، وبما نجم من الحق أو الخير، لما تسلَّطَتْ عليكم أحكام الجائرين، ولا سَطَتْ بكم أيدي الحكام المجاورين، لكنكم فعلتم وفعلتم، وعلمتم وجهلتم، وعدد عليه قبائح ما ارتكبوا، وفضائح ما احتقبوا، وكان المقتدي ممن يرتاح للندى، ويلتاح نجم هدى، وله هذي مأثور يفاوح أرج المنشور، كأنه بالعنبر نسخ، وبماء الورد نفخ، يؤثر الخير ولا يلتقي عليه مساعدًا، ويؤثر الجود ولا يخلف عليه مواعدًا، ويقارب السلف ولا يكون مباعدًا، ويقارن هام الغمام ولا يقدم راعدًا، وكان أبوه أبو العباس محمد الذخيرة، قد مات كما ذكرنا في زمان أبيه القائم، وتلقى من رضوان ربة تحية القادم، فلم يكن للقائم دأب إلا تأديب المقتدي وأقرأه سيرة الخلفاء الصالحين عليه كعمر بن عبد العزيز والمهتدي، وإعلامه بأحوال الدول مسيئها ومُحْسِنها، وأمره بتصفحها والأخذ بأحسنها، حتى كانوا لو تمكن ناذره، وخاتمة لأول الغيث أو بادره.
وقد ذكر ابن الأثير (٣) أنه مات فجأة، قال: كان قد أحضر عنده تقليد السلطان
= وصفه المؤرخون بأنه كان قوي النفس عظيم الهمة من رجال بني العباس، قال السيوطي: وكانت قواعد الخلافة في أيامه باهرة وافرة الحرمة بخلاف من تقدمه. انظر: الكامل ٨/ ١٧٠ ومختصر ابن الكازروني ص ٢١١ والفخري ص ٢١٧ وتاريخ الخلفاء ص ٤٢٣. (١) يوسف بن تاشفين، أبو يعقوب اللمتوني المغربي أمير الملثمين استولى على المغرب وبنى مراكش وعبر إلى جزيرة الأندلس حين استنجد به ملوك الطوائف، فهزم الافرنج في معركة الزلاقة سنة ٤٧٩ هـ، ثم طمع بالجزيرة فعبر إليها ثانية واستولى عليها وأسر المعتمد بن عباد توفي سنة ٥٠٠ هـ. انظر: وفيات الأعيان ٧/ ١١٢ والوافي بالوفيات ٢٩/ ١٦٣ وكامل ابن الأثير ٨/ ١٥٤ و ٢٣٦. (٢) في تاريخ الخلفاء ص ٤٢٤ أن يوسف بن تاشفين أرسل إلى المقتدي يطلب أن يسلطنه وأن يقلّده ما بيده من البلاد، فبعث إليه الخلع والأعلام والتقليد، ولقبه بأمير المسلمين. (٣) الكامل ٨/ ١٧٠.