وقام علماك بي فاحتج عندك لي … مقام شاهد عدلٍ غير مُتّهم
تعفو بعدل وتسطو إن سطوت به … فلا عدمناك من عافٍ ومنتقمِ
ثم شفعت فيه بوران (١) فقربه ونادمه ولم يزل مكرمًا مبرورًا إلى أخر عمره.
وكان سبب موت المأمون (٢) انه كان على نهر البذَنْدُون (٣) مدليًا ساقيه في الماء، قال: ما رأيت أبرد من هذا الماء ثم ذاقه وقال: ما أطيب طعمه؟ ثم التفت إلى سعيد العلاف (٤)، قال: أي شيء يصلح أن يؤكل عليه؟ قال: أمير المؤمنين أعلم، قال: الرطب الأزاذ، قال: أنى لنا به في بلاد الروم، فما تمَّ كلامه حتى سمع لجم البريد، فالتفت فرأى على أعجازها أحقاب فيها ألطاف ومنها رطب الأزاذ، فحمد الله هو ومن كان معه، فما قام أحد ممن أكَلَهُ إلا محمومًا، فكان ذلك أول علّته، ثم ظهر له في رقبته نفخة كانت تعتاده، فخطأ الطبيب في فتحها قبل النضج فهلك.
ويقال: إنه لما خرج في تلك الغزاة صاح في أحد الليالي لغلام اسمه شقير وقال له: ويلك من يُغني؟ قال: ما يغني أحد قال: ثم تَسَمَّعْتُ فلم أسمع شيئًا، فقلت ما أسمع حِسًّا، قال: بلى والله إنه كان يغني:
ألم تعجب لمنزلة ودور … خَلَتْ بين المشقر والحرور
كأن بقية الآثار فيها … بقايا الخط من قلم الزبور
ثم اعتل في الليلة الثالثة.
وحكى ابن المهدي قال: رأيتُ في منامي كأن جارية من جواري الرشيد وفي يدها عود وهي على منبر رسول الله ﷺ تنشد:
سوف يأتي الرسول من بَعْدِ شَهْرٍ … بنعي الخليفة المأمون
قال: فقلتُ هذه مفسرة، فجاء نعيه بعد شهر.
وولد سنة سبعين ومئة، وتوفي سنة ثمان عشر ومائتين وعمره ثمان وأربعون سنة وشهور، ومدته عشرون سنة وستة أشهر، وقبره على البذندون بطرسوس من بلاد الروم.
(١) بوران بنت الحسن بن سهل زوجة المأمون، انظر خبر زواجه بها في الكامل ٥/ ١٩٣ والطبري ٨/ ٥٦٦
(٢) انظر الخبر في تاريخ الطبري ٨/ ٦٤٦ وكامل ابن الأثير ٥/ ٢٢٦.
(٣) البذندون: قرية بينها وبين طوس يوم (ياقوت - بذندون).
(٤) في الأصل: سعيد بن الصلاف، والتصويب عن الطبري ٨/ ٦٤٦ وفي الكامل: سعد.