للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الفسيح بوهاده وكتبه، فجاء مَنْ لا قوة للبلاد بحمل بعضهم، ولا طاقة للتخوم بمثار ركضهم، فغرق جدول الاسلام في تيارهم، وأحرق نور الإيمان بنارهم، وبدأت الخلافة (١) بعبد الله السفاح، وختمت بعبد الله المستعصم، ولم تَدْرِ الملة لمن تستخصم، وأخذ وقتل، وهجمت بغداد، وقتل الرجال وسبي النساء والأولاد، وألقت الهاشميين في دجلة بأرواحها، وارتجت النواحي بنواحها، وكاد الإسلام يذهب بجملته، والدين المحمدي يطوي مُلاءةً ملته، وانقرضت الدولة العباسية، إلا بقية أتَتْ مصر، ونويض (٢) سراجها ثم انطفى، وأومض بريقها في آخريات الليل ثم اختفى، وكان المستعصم يسكن إلى وزيره المؤيد بن العلقمي ويسيل بضبعه، ويميل إلى اعتلاء قدره ورفعه، ولا يزال يلاطفه ويُهاديه، ولا يقطع مكاتباته إما يجاوبه أو يُباديه، أهدى إليه مرة قصب أقلام وكتب معها: بعثنا إلى الوزير أعزه الله بقصب يراع مؤذنةً بأنّه لدينا في المحل الأقصى لا يُراع، فليكتب بها مشرفًا، وفي الأرض وسكانها على رغم مَنْ يشناه مصرفًا، فلما أتت ابن العلقمي قام لها وقبلها، واعتقل خيطها المتفقه وأسلها، ثم كتب (٣): قبل المملوك (٤) شكرًا للأنعام عليه بأقلام قلَّمَتْ (٥) أظفار الحدثان، وقامت له في حرب صرف الزمان، مقام عواسل المران (٦)، وأجنته ثمار الأوطار من أغصانها، وحازت له قصبات المفاخر يوم رهانها، فيا لله كم قعد ذمام في عُقَدِها، وكم بحر سعادة أصبح من مدادها ومَدَدِها، وكم مناد حظ استقام بمثقفاتها، وكم صوارم خطوب فلت مضاربها بمطروف (٧) مرهفاتها، فالله تعالى ينهض المملوك بمفروض دعائه، ويوفقه للقيام بشكر أولاه من جميل رأيه وجزيل حبائه.

وكانت آفته بل آفة الإسلام وزيره، ولما قدم هولاكو لإزاحة الباطنية عن قلاعهم، امتد إلى استكمال البلاد وواطأه ذلك الوزير الذميم حتى طوى البلاد إلى العراق، ثم أوهم المستعصم أنه قد أكد له سبب الصداقة معه، فخرج لملتقاه في الفقهاء والأدباء، وأهل الشرف في يوم الاثنين سابع عشر صفر سنة ست وخمسين


(١) في الأصل: الخليفة.
(٢) الأصل: نونص، والصواب ما أثبتت ونويض: تحرك وتذبذب وتلألأ.
(٣) انظر رسالته في الحوادث الجامعة ص ١٩٤ والوافي بالوفيات ٢/ ٣١٣.
(٤) في الحوادث، المملوك الأرض.
(٥) في الحوادث: قلمت عنه.
(٦) في الحوادث: صرف الدهر مقام عوامل المران.
(٧) كذا في الأصل، ولعل الصواب ما جاء في الوافي: بمطرور.

<<  <  ج: ص:  >  >>