وضارع لو شاء الليث العبوس، كان قد خرج الناصر وهو معه إلى البطائح فرأى جاموسًا عَصَّبَ رأسه الهوى وهو طامح، وقد أوى إلى بطيحة اشتبك شجرها واحتبك ماؤها ومحجرها، فقال: لا يعرض أحد إلى هذا الجاموس، فإنه لا يخلو من بادرة بوس، وكان جاموسًا قد تأسّد، لو عاث لأفسد، فنزل إليه الظاهر غير مكترث، وأبرم له عَزْمًا غير منتكث، فلما رآه الجاموس صوّب إليه روقيه، وطأطأ لينطحه بقرنيه، فجرد الظاهر سيفه وتقدّم إليه، وضربه ضربةً قطع بها عنقه إلى ظلفيه، فحقدها عليه الناصر ونقمها، وأراده بها ودفع الله نقمها، مع ما كان يؤثره الناصر من تقديم ابنه الثاني علي (١) عليه، والله يؤخره، ويهيء الأمر للظاهر ويدخره، ومع هذا فما قدر الناصر على شيء أكثر من أنه عزله عن ولاية العهد وصرفه، ثم أَحْوَجَهُ الله إليه فولاه وصَرَّفَهُ.
ثم نذكر بقية حال الناصر: تفتى وفتى (٢)، وتفقه في هذا وأفتى، ووضع ترتيب الرفاق، ورَضَعَ معهم كؤوس الوفاق، ولبس السراويل (٣) ولبسه لأهل ذلك الجيل، ورمى البندق (٤) وبرز له، واختط الخطة ورمي الوجهين، ووضع له في أحكامه المقترح واستباح في الشريعة ما لم يبح، وادّعى في الرمي، وادعي لَهُ، وسلك مدة في هذا سبيله لا يخلى الطير حينا من الحين ولا تزال قسيّ بندقه ينصرها طائره في السماء فتصيبها بالعين، قد جعل الجلاهق (٥) أحد سلاحيه، لا يدع الصباح والعشاء من اغتباق راحيه، لا يريح الرفاق من رواحيه، ولا طائرًا يطير بجناحيه، وقصد السرداب المعدّ عليه النوبة للمنتظر، ووقف عليه، ونادى لو أسْمَعْ، وقال: أنا ابن عمك بغير مَدْفَع، ودينك ديني وما بعد اقتداري في الأرض وتمكيني، فهذا أوان ظهورك فاخرج، فأنا القائم بأمورك، فلما لم يجب، ولا قام من قلبه بما وجب، علم
(١) أبو الحسن علي، الملك المعظم، أصغر أولاد الخليفة الناصر، توفي سنة ٦١٢ هـ كان أحب ولد الخليفة إليه وقد رشحه لولاية العهد بعده. انظر الكامل ٩/ ٣١٠. (٢) الفتوة نظام أحدثه العباسيون، وجدّده الناصر لدين الله سنة ٦٠٤ هـ، ويراد بالفتوة استجماع الأخلاق الكريمة وجميل الطباع والإيثار والشجاعة والاعتماد على النفس، وقد اهتم به الناصر كثيرًا، وجعل له مراسم، وهو يشبه نظام الكشافة اليوم وصاحب الفتوة يدعى الفتى والجمع فتيان، انظر: الجامع المختصر ص ٢٢١. (٣) السراويل: لباس الفتوة. (٤) البندق: كلمة فارسية تطلق على كرات صغيرة من الرصاص، أو من الحجر أو الطين، كانوا يقذفونها بواسطة الأقواس كالنبل، وتستخدم في الحرب أو الرياضة حتى جعل الخليفة الناصر من رمي البندق فنًا وسباقًا وشرفًا. (٥) الجلاهق: كلمة فارسية أصلها (الجلاهة) وهي من طين يرمي بها الصبيان عن قوس (العرب: ٩٦).