للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

عن قُسُورِتها، وتتمحض مُدرة أرضه لتُخْرِجَ مُدرتها، فمات أبوه، ورغم معطس من كان يأباه، يريد أن لا يكون أخوه، وخرج من مُعْتَقَلِهِ خروج الأسد من وِجارِهِ (١)، والكوكب الدُّرّي من حُجُبِ أُفُولِهِ، والبدر التمام من خدور سِرَارِهِ، وانتضى انتضاء المُشْرِفِيِّ المرهف، وخَلُص من التثقيف خلوص السمهري المُثَقَّف، وأصفقت الأيدي على مبايعته بالإمامة، ورقا ذروة المنبر وعليه لواء الكرامة، وهيأ الله له ما أراده من الخير، وأحسن له الحسنى وأحَلَّ الغير بالغير، وأعادها عُمريّة ليس لها جناح، وقمرية خَدم فيها البدر من العشاء إلى الصباح، ولم يكن في حظ زمانه أن تدوم وأن تتم، وعدله قمرها المنبر وعيون أخباره النجوم، فكنت لا ترى في مدته إلا سنة وكتابا وإمامًا ومِحرابًا، وسيّئةً مُحِيتْ وبُدّلت ثوابًا وعدلًا فتح له بابا، وظلمًا سَدَّ له بابا، وقائلًا كأن في حرّ الهجير أظل عليه ندى، ورفقًا أرأف بالأمة من الوالدات على الفطيم، ولطفًا يَصُدّ سموم الشمس فيأذن للنسيم، وشكرًا يروع العذارى فيلمسن جانب العقد النظيم، وقد ذكر الوزير أبو غالب (٢) نسخة من كتب عن الناصر خَلْعَ ولده الظاهر لما خَلَعَهُ بخط المكين ابن العلقمي، ومنه:

وقد كان أمير المؤمنين قلد ولده أبا نصر محمدًا ولاية عهده ورشحه من بعدِهِ، مؤملًا منه التخلق بشريف أخلاق أمير المؤمنين التي هي من أخلاق آبائه مقتبسة، وعلى أساس التقوى مبنيّةً مؤسسة، فلما أن وقَتَ تكامل رشده، رأى من نفسه القصور عن التزام شروط هذا الأمر، واستقال منه، وسأل أمير المؤمنين نزع لباسه عنه، وكتب خطه عن ذلك وتركه وحلّ ما عَقَدَ له منه وفكّه، وتيقَنَ من حاله وأمره أنه لا يصلح لخلافة المسلمين في الحاضرة ولا في بقية عمره، وأشهد بذلك عليه، وخلع نفسه عما كان فوّض إليه، وأمير المؤمنين لم يَخْلُ في كل وقت باعتبار طرائقه واستقرائها وتتبع خلائقه واستبرائها، إلى أن استبان ما كان من أحواله يلوح، وتألق نجمه من مراصد الوضوح، فلم يَسَع أمير المؤمنين إلا استخارة الله في إقالته وطلب رضاه سبحانه في حلّ عقد ولايته، وأقال ولده، وحلّ ما له من ولاية العهد في المسلمين عقده، ونَقَضَ ما إليه عَهَدَهُ، وأسقط ذكره من الخطب، ومحا اسمه من


(١) الوجار: حجر الضب والأسد والذئب والثعلب ونحو ذلك.
(٢) الوزير عبد الواحد بن مسعود الشيباني، سبقت ترجمته، وفي كامل ابن الأثير ٩/ ٢٦٩: في هذه السنة (٦٠١ هـ) قطعت خطبه ولي العهد وأظهر خط قرئ بدار الوزير نصر الدين بن مهدي الرازي وإذا هو خط ولي العهد الأمير أبي العز بن الخليفة إلى أبيه الناصر لدين الله أمير المؤمنين يتضمن العجز عن القيام بولاية العهد ويطلب الإقالة، وشهد عدلان أنه خطه وأن الخليفة أقاله.

<<  <  ج: ص:  >  >>