مثل الصدى يَخْفى عليَّ مكانه … أبدًا ويَمْلأ بالاجابةِ مَسْمَعي
وقد ذكره ابن واصل قال: كان الناصر عظيم الهيبة، عالي الهمة وافر العقل، حسن السياسة، متيقظًا، لا يفوته أمر مما يجري في بلاده وغيرها من بلاد الاسلام، وكان له أصحاب أخبار يطالعونه بما يحدث من الأمور في كل صقع، فخافه الناس خوفًا شديدًا وهابوه، وكان الانسان في العراق لا يجسر أن يجري في بيته وخلوته ما يخاف الانكار عليه منه، حتى كان يتوهم من أهل بيته وأخص الناس به، أنه ينقل خبره إلى الخليفة، وفتح في أيامه فتوحات كثيرة، واتسع ملكه جدًا، واستولى على خوزستان والجبل، وفتح كثيرًا من بلاد العجم وقامت للدولة العباسية حشمة لم يكن مثلها موجودًا إلا في الزمن القديم قبل استيلاء الملوك على العراق، ولكن الفقهاء أُهينوا في زمانه إهانة بالغة لاستظهار الشيعة به عليهم فقال صاحب المخزن:[من الكامل]
أحبابنا نُوب الزمان كثيرةٌ … ومَرَّ منها رِفْعةُ السُّفهاءِ
هل يستفيق الدهر من سَكْراتِهِ … وأرى اليهود بذلة الفُقَهاءِ
وفي جمادى سنة اثنتين وثمانين وخمسمائة حكم أهل النجامة أنه يكون هواء عظيم يهلك أكثر الناس فيه (١)، وتُرمى الجدران لاقتران الكواكب في برج الميزان، فدخل للناس منه رُعْب عظيم، واستعدّ بعض الملوك لعمل سراديب تحت الأرض، وأعد فيها الأقوات والعطر لأجل وَخَم الهواء، فقضى الله بأنَّ الهواء انقطع تلك الليالي البتة حتى أن ضوء الشمع ما كان يميل، فقال ابن المعلم شعرًا منه:[من البسيط]
قل لأبي الفضل قول معترف … مضى جمادى وجاءنا رجب
وما جَرَتْ زعزع كما حكموا … ولا بدا كوكب له ذنب
يقضي عليها مَنْ ليس يعلم ما … يقضى عليه، هذا هو العجب