للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

بني العباس الأفراد، مكث في الخلافة أربعة وعشرين سنة، بها سبعة عشر سنة في مداراة الملوك السلجوقية، وسبع سنين وشهورًا مستبدًا بنفسه، مقارعًا للسلاطين، قامعًا لمردة أولئك الشياطين، مدوخًا للبلاد، قامعًا للخوارج عليه، وحضر مصافات عدة، وثبت في حصار بغداد، وكان ذلك شهورًا تجري في كل يوم منها مصافات، وهو رابط الجأش ثابت الجنان منشرح الصدر، منبسط الأمل، وكان في نفسه قساوة وغلظة وأيد بوزيره عون الدين أبي المظفر يحيى بن محمد بن هبيرة، وزره رابع ربيع الأول سنة أربع وأربعين وخمسمائة، وهذا وزير لو كان كالوزراء لذكرته كأحدهم، ولكنه كان أجل، وفعله دليل عليه، وما ذكرته مع الوزراء في الانصاف إلا اسوةً لهم للتسمية، ولكنه يعد من عظماء الخلفاء، وكبراء الملوك، لعظيم ما فعل، وجليل ما صنع، وهو الوزير الذي أنطق الدولة العباسية بعد الخرس، وأجرى في عودها الماء بعد اليبس: [من الكامل]

ومعرف الخلفاء إنَّ حظوظهم … في حيّز الإسراج والإلجام

فوري به زناد المقتفي، وشدّ أزْرِهِ فيما كان يعتلج في صدره، يتمناه من علو قدره، ولم يزل يسحب (١) الدولة السلجوقية سحب المبادرة ويديف (٢) لها في أري النحل سم الأساود، وينبه ولاة الأطراف على ما فرض الله عليهم من نصر الأئمة، ويوقظ مصابيح بصائرهم في كشف ليالي الفتن المدلهمة، ويؤنبهم على ما قنعت به هممهم الدنية، وما غشيهم من الذل والصغار في طاعة السلجوقية، حتى شَذَبَ عن دولة العجم من كان ينصرها على الخلفاء، ويفعل في تفريق تلك الجموع ولا فعل قصير مع الزباء، حتى صار كل من كان للسلجوقية على الخلافة عونًا، قد أصبح للخلافة على مَنْ عداها عَيْنًا، وهو لا يسلك في ذلك إلا المسالك المرضية، ولا يدعوا إلا بالنصائح الوعظية، ولا يحض على نصر كتاب الله وسنة نبيه المثلى ولا يبعث الهمم إلا لتكون كلمة الله هي العليا، ولا يخضع بالقول فيطمع الذي في قوله مرض، ولا يُرسل سهم قول فيقنَع بما دون الغرض، ولا يغضب إلا لانتهاك محارم الله وتعدي حدوده، ولا ينهى عن منكر إلا محذرًا لمرتكبه من عذاب الله ووعيده، ولا ينجح له سعي فَيَنْسِب النعمة إلى غير الله تعالى، ولا يقوم مقامًا فينسب له مع التبرير مقالًا، ولا فعالًا، ولا رؤي ولا سمع برجل ولي عظائم الأمور


(١) في الاصل: الكلمة غير معجمة، وقرأتها يسحب، ولعلها يشخت، ومعناه يضعف ويقلل من شأنها.
(٢) في الأصل: ويدلف وهو تصحيف.

<<  <  ج: ص:  >  >>