الدنيوية والممالك السلطانية، هزم الجيوش خائضًا لغمراتها، معرضًا وريده لاستنهاء وطباتها، كان أشدّ تبرّيًا إلى الله من حول نفسه وقوتها منه، ولا أكثر اعترافًا بفعل الله فيه فيما يصدر بالمباشرة عنه، فما ادعى لنفسه فعلًا ولا قولًا، ولا اعتقد لها قوةً ولا حولا، لكنه يذكر كفاية الله التي جَبَرَتْ نقصه، وقوّمَتْ خطأه، وقدمت على المشرفية سطاه، ويقول: ما رأيت في هذا الأمر الذي لابسته أنفع من دعاء وجدته في مجموع لابن سمعون (١) ولا أبلغ من ذكر رأيته في كتاب فضائل الأعمال لابن أبي الدنيا (٢)، ولا كان في قلبي أوثق من ركعات تعلّمتها من فلان المجاور بجامع المهدي.
وذكر الوزير أبو غالب (٣) عبد الواحد بن مسعود الشيباني بهذا وقال: لقد كان لهذه المحاسن من أفعاله وأقواله هيئة وصنعة، ولا تنهض العبارة بأدائها، ولا تؤدي الحكاية جزاءً من أجزائها، وللصدق عليها شواهد من جنس ما تسميه الصوفية ذوقًا لا يدركه إلا مَنْ خالطه ورأى هديه وسكينته وخضوعه لله واستكانته واعزازه بالله في كل مقام تتخاذل فيه القوى وتنقصم فيه إلا مَنْ استمسك بالله العرى:[من الكامل]
وهو مع الله على علاته … ماض مضاء المشرفي الصارم
وقصد السلطان مسعود بن محمد بغداد سنة خمس وأربعين وخمسمائة وتلقاه ابن هبيرة إلى النهروان، وأبلغه سلام الخليفة واسبتشاره بمقدمه وانتظاره لتقدمه، ثم عاد وقد ملأ الصدور بما شاهده أرباب الدولتين من قوة جنابه وطلاقة لسانه ومهابته التي ظهر على السلطان مسعود إعظامها، وهان عليه ملك ممالك أهل بيته ونظامها.
وقال ابن الفضل:[من الطويل]
ولما رأى السلطان عزتك التي … هي السعد أغشاه عن اللحظ نورها
(١) ابن سمعون، محمد بن أحمد بن إسماعيل أبو الحسين البغدادي، الواعظ، ولد سنة ٣٠٠ هـ، وتوفي سنة ٣٨٧ هـ، كان خطيبًا واعظًا، دوّن الناس حكمه وجمعوا أقواله، انظر: وفيات الأعيان وتاريخ بغداد ١٠/ ٢٧٤ والنجوم الزاهرة ٤/ ١٩٨ والوافي بالوفيات ٢/ ٥١. (٢) ابن أبي الدنيا، عبد الله بن محمد القرشي الأموي مكثر من التصنيف أدب الخليفة المعتضد ثم ابنه المكتفي، توفي سنة ٢٨١ هـ. انظر: فوات الوفيات ١/ ٢٣٦، وتاريخ بغداد ١٠/ ٨٦. (٣) أبو غالب عبد الواحد بن مسعود بن عبد الواحد الشبياني، تولى النظر بواسط وأعمالها، وعزل فدخل الشام ومصر وخدم الملوك بهما، وعاد إلى حلب وخدم الظاهر ابن صلاح الدين، وأقام بها إلى أن توفي سنة ٥٩٧ هـ، وكان كاتبًا بليغًا، محمود السيرة سمع الحديث من والده وغيره. انظر: ذيل تاريخ بغداد لابن النجار ١/ ٣٠١ ومختصر ابن الدبيثي ٣/ ٧٤ والتكملة للمنذري ٢/ ٢٩٦ والوافي بالوفيات ١٩/ ٢٧٦.