للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الخليفة: ماذا ترى؟ فقلت: المقتفي لأمر الله. فقال: مبارك، ثم مد يده، فأخذها الوزير وقبلها، وقال: بايعت سيدنا ومولانا الإمام المقتفي لأمر الله أمير المؤمنين على كتاب الله وسنة رسوله واجتهاده، ثم أَخَذَها صاحب المخزن وقبلها وبايعه على مثل ذلك، ثم أخَذْتُ يَدَهُ وقبلتها، ثم قلت: بايعت سيدنا ومولانا الإمام المقتفي لأمر الله أمير المؤمنين على ما بايعتُ عليه أباه وأخاه وابن أخيه في ولاية عهده، ثم قمت من عنده وَدَخَلَ الأمراء والقضاة والعلماء وأكابر الناس فبايعوه، ثم حَضَرَ السلطان مسعود عنده، وكلَّمَهُ المقتفي بكلام وَعَظَهُ فيه، ثم عرفه ما يلزمه مِنْ طاعة الخليفة وأمَرَه بالرفق بالرعية والإحسان إليهم، وخوَّفَه عاقبة الظلم فبايعه السلطان، وقبَّلَ يَدَ الخليفة، ورجع إلى دار السلطنة.

وأما الراشد فإنه أقام بالموصل مع عماد الدين أتابك زنكي، ثم أرسل زنكي إلى بغداد القاضي كمال الدين محمد بن الشهرزوري (١)، فلما حضر قيل له: بايع أمير المؤمنين، فقال: أمير المؤمنين عندنا بالموصل، وله في أعناق الخلق بيعة متقدمة، وطال الكلام، ثم عاد إلى مثله، فلما كان الليل جاءته امراة عجوز سرًا، وأبلغته رسالة عن المقتفي مضمونها عتابه، فقال: غدًا أخدمه خدمة يظهر أثرها، فلما كان الغد أحضرت إلى الديوان، وقيل لي في معنى البيعة، فقلتُ: أنا رجل قاض، ولا يجوز لي أن أبايع إلا بعد أن يثبت عندي خلع المتقدم، فأحضروا الشهود، وشهدوا عنده بما أوْجَبَ خلعه، فقال: هذا قد ثبت ولكن لا بُدَّ لنا في هذه الدعوة من نصيب لأن أمير المؤمنين قد حصلت له خلافة الله في أرضه والسلطان فقد استراح ممن كان يقصده، فنحن بأي شيء نعود، فرفع الأمر إلى الخليفة، فأمر أن يقطع عماد الدين زنكي صريفين ودرب هرون، وجرى ملكا، وهي من خاص الخليفة، وأن يزاد في ألقابه، وقال: هذه قاعدة لم يُسمح بها لأحدٍ من زعماء الأطراف أن يكون له نصيب من خاص الخليفة، وعاد وقد حصل على جملةٍ صالحة من الأموال والتحف، وكان المقتفي من ذوي الهمم العالية، والآراء السديدة، والسياسة الوازعة، من رجال


(١) كمال الدين محمد بن عبد الله بن القاسم بن المظفر، قاضي القضاة، الشهرزوري، الموصلي الشافعي، تفقه ببغداد، وولي قضاء بلده، وكان يتردد إلى بغداد وخراسان رسولًا من أتابك زنكي، واتصل بنور الدين زنكي فولاه قضاء دمشق وأعمالًا أخرى أقره عليها فيما بعد صلاح الدين الأيوبي، توفي سنة ٥٧٥ هـ ودفن بجبل قاسيون. انظر: الوافي بالوفيات ٢/ ٣٣١ ووفيات الأعيان وطبقات السبكي ٤/ ٧٤ وخبره هنا في كامل ابن الأثير ٨/ ٣٥٥ والنجوم الزاهرة ٦/ ٧٨ وفيه أنه مات سنة ٥٧٢ هـ.

<<  <  ج: ص:  >  >>