والمأمون وهما صبيان، فأغري بينهما، فأسرع الأمين إلى المأمون فنال منه، وكان المأمون أحلمهما، ثم إنه أمرهما أن يتصارعا، فوثب الأمين ولزم المأمون مكانه، فقال الرشيد: مالك لا تقوم يا عبد الله، أخِفْتَ ابن الهاشمية، أما إنه أيد، فقال المأمون: هو على ما ذكره أمير المؤمنين، ولكني لم أخِفْهُ، وإنما قبض يدي عنه ما قبض لساني حين أسمعني، فقال له الرشيد: فما الذي قبض يدك ولسانك عنه، قال: قول الأموي لبنيه يوصيهم: [من الكامل]
انقوا الضغائن بينكم وتواصلوا … عند الأباعد والحضور الشهد
بصلاح ذات البين طول بقائكم … وذماركم بتقطع وتفرد
فلمثل ريب الدهر ألف بينكم … بتعاطف وترحم وتودّدِ
حتى تلين جلودكم وقلوبكم … لمسوّدٍ منكم وغير مسود
إن القداح إذا جُمِعْنَ فرامها … بالكسر ذو حنق بطش أيد
عزت فلم تُكْسَر وإن هي بدّدت … فالوهن والتكسير للمتبدد
فرق الرشيد رقة شديدة واغرورقت عيناه بالدموع، فكفكفها ثم أقبل على الأمين فقال: يا محمد، ما أنت صانع إن صرف الله إليك أمر هذه الأمة؟ فقال: أكون مهديًا يا أمير المؤمنين، فقال الرشيد: إن تَفْعَل فأهل ذاك أنت، ثم أقبل على المأمون فقال: يا عبد الله ما أنت صانع إن صَرَفَ الله إليك أمر هذه الأمة؟، فابتدرت دموع المأمون، وفطن الرشيد لما أبكاه، ولم يملك عينه، فأرسلهما وبكى يحيى، فلما قضى من البكاء إربًا عاد الرشيد لمسألة المأمون، فقال: اعفني يا أمير المؤمنين، قال الرشيد: عَزَمْتُ عليك أن تقول فقال: إن قدّر الله ذلك جعلت الحزن شعارًا، والحزم دثارًا، واتخذتُ سيرة أمير المؤمنين مشعرًا، لا تستحل حرماته، وكتابًا لا تبدل كلماته، فأشار الرشيد إلى الأمين والمأمون بالانصراف، ثم ذهبا، ثم أقبل على يحيى وأنشده بيت صخر بن عمرو:
أهم بأمر الحزم لو استطيعه … وقد حيل بين العير والنزوان
فقال يحيى: قد هيأ الله لأمير المؤمنين من أمره رشدًا.
وكان محبًا في لعب الشطرنج، وكان يقول: هو فكري، يشحذ الدهن، ولم يكن فيه حاذقًا، وكان يقول: أدير أمر الدنيا فاتسع فيه، وأضيق في تدبير شبرين في شبر، وفيه يقول:[من البسيط]
أرض مربعة حمراء من أدم … ما بين الفين مخصوصين بالكرم