لفظك بفساد معناك، وقد جعلنا نوالك عليه قبول قولك فيه.
وقال ظفر (١): وبلغني أن الرشيد أقر جماعة من العلماء بمعاينة المأمون وهو غلام ليقتبس من آدابهم وعلومهم، فبات عنده ليلة الحسن بن زياد اللؤلؤي (٢)، فبينا هو يحادثه نعس المأمون، فقال له اللؤلؤي: نمت أيها الأمير؟ فاستيقظ وقال: سويقي ورب الكعبة يا غلام، خذ بيده وأخرجه، فبلغ ذلك الرشيد، فأعجبه وقال متمثلا:
[من الطويل]
وهل ينبت الخطي إلا وشجةً … وتغرس إلا في منابتها النخل
قال محمد، إنما فعل ذلك المأمون لسوء أدب اللؤلؤي، ووجه الأدب مع الرئيس إذا نام أن يتنحى عنه جلساؤه، فيكونوا بموضع يقرب منه.
قال ابن ظفر: ومما قيل: إن الكسائي كان لا يفتح على ولد الرشيد إذا غلطوا، إنما كان ينكس طرفه، فإذا غلط أحدهم نظر إليه وربما ضرب الأرض بخيزرانة في يديه، فإن سدد القارئ للصواب مضى، وإلا نظر في المصحف، فافتتح المأمون عليه يوما سورة الصف، فلما قرأ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ (٣) نظر إليه الكسائي، وتأمل المأمون، فإذا هو مصيب، فمضى في قراءته ولما انقلب إلى الرشيد قال: يا أمير المؤمنين إن كنت وعدت الكسائي وعدا فإنه يستنجزه، فقال: إنه كان استوصلني للقراء، فوعدته، فهذا هو الذي قال لك، فقال المأمون: إنه لم يقل لي شيئا، وأخبره بالأمر فتمثل الرشيد بقول القائل في ثابت (٤) بن عبد الله بن الزبير بن العوام: [من الطويل]
ورثت أبا بكر أباك ثباته … وسيرته في ثابت وشمائله
وأنت امرؤ ترجى بخير وإنما … لكل امرئ ما أورثته أوائله
وقيل: إن الرشيد ناظر يحيى بن خالد فيمن يعهد إليه من ولده أولا، وعلم يحيى ميله إلى زبيدة أم الأمين وإنه يؤثر هواها فخطب في حبلها، فأحضر الرشيد الأمين
(١) ذكره المؤلف باسم ابن ظفر، وسيذكر كذلك فيما بعد. (٢) أبو علي الحسن بن زياد اللؤلؤي، مولى الأنصار، ولي القضاء ثم استعفى، فقيه، كان حافظا لقول أصحاب الرأي، توفي سنة ٢٠٤ هـ. انظر: الوافي بالوفيات ١٢/ ٢٢ وتاريخ بغداد ٧/ ٣١٤ والعبر ١/ ٣٤٥ وشذرات الذهب ٢/ ١٢. (٣) الصف: ٢. (٤) ثابت بن عبد الله بن الزبير، أبو حكمة، كان ذا لسن. انظر: أنساب الأشراف ٨/ ٧٥.