للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

تذاكرا الحرب فاختالا لها مثلًا … من غير أن يأثما فيها بسفك دم

وأما خروج عمه إبراهيم بن المهدي (١) عليه فكان سببه إن المأمون لما أراد أن يصرف الخلافة إلى علي بن موسى الرضى، وبدل السواد بالخُضْرة، نقم عليه بنو أبيه، فلما كان بخراسان خلع أهل بغداد طاعته، وبايعوا ابن المهدي، ولقبوه المبارك، فلما تمهد له الأمر أساء إلى الجند، ومنعهم أرزاقهم، فاضطربوا عليه يوم الجمعة سنة ثلاث ومائتين، وكانت مدته نحو سنة، واختفى، وبلغ المأمون الخبر، فأتى بغداد، فدخلها يوم السبت سادس عشر (٢) صفر سنة أربع ومائتين، ولم يزل ابن المهدي مختفيًا إلى أن خرج متنقبًا على هيئة امرأة بين امرأتين ليلة السابع عشر من ربيع الآخر سنة عشرة ومائتين، فأخذه الحرس على أنهم عواهر فأعطاهم خاتمًا من ذهب فصّه ياقوت يساوي مالًا عظيمًا، فأنكروا ذلك وحملوه إلى صاحب الشرطة، فعرفه وحمله إلى المأمون، فأمر به فَجُعل في مكان (٣)، فلما كان من الغد أخرج وأظهر للناس على ما أمسك عليه فقال له المأمون: هيه يا إبراهيم، فقال: يا أمير المؤمنين، إن ولي الثأر محكّم في القصاص، والعفو أقرب للتقوى، وقد جعلك الله فوق كل ذنب كما جعل كل ذنب دونك، فإن عاقبت فبحقك، وإن عَفَوْتَ فبفضلك فقال له المأمون بل نعفوا يا إبراهيم، فكبّر، ثم خر ساجدًا، فلما رفع رأسه أنشده (٤): [من الطويل]

يا خير من وَخَدَت به شدنيّة (٥) … بعد الرسول لآيس أو طامع (٦)

متيقظًا حَذِرًا وما يخشى العدى … يقظان من وسنات (٧) يوم الهاجع

ملئت قلوب الناس منك مخافة … وتبيت تكلؤهم بقلب خاشع

نفسي فداؤك إن تضيق (٨) معاذري … وألوذ منك بفضل حلم واسع


(١) إبراهيم بن المهدي العباسي، مضت ترجمته انظر: الأغاني ١٠/ ٩٥ وتاريخ بغداد ٦/ ١٤٢ وتاريخ الطبري (٢٠١ هـ) وأشعار أولاد الخلفاء ص ١١٧ والوافي بالوفيات ٦/ ١١٠ وكامل ابن الأثير ٥/ ١٨٩ (أحداث سنة ٢٠١ هـ).
(٢) في تاريخ الطبري ٨/ ٥٧٤: الأربع عشرة ليلة بقيت من صفر، وانظر الكامل ٥/ ١٩٥.
(٣) في تاريخ الطبري ٨/ ٦٠٤: في دار أبي إسحاق بن الرشيد.
(٤) الأبيات في الأغاني ١٠/ ١١٧ وتاريخ الطبري ٨/ ٦٠٤ وكامل ابن الأثير ٥/ ٢٠٩ وبعضها في مروج الذهب ٢/ ٣٤٨ وأشعار أولاد الخلفاء ص ١٩.
(٥) في المصادر المذكورة: يا خير من ذملت يمانية به، وفي الكامل، دفلت.
(٦) في الأغاني والطبري: ولطامع.
(٧) في الكامل: وسنان.
(٨) في الطبري والأغاني: تضل.

<<  <  ج: ص:  >  >>