للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وذُكر (١) أنه كان مع الرشيد ابن أبي مريم المدائني (٢)، وكان مضحكًا له، محادثًا فكها، فكان لا يصبر عنه، ولا يمل محادثته، وبوّأه منزلًا من قصره. فجاء ذات ليلة وهو نائم وقد طلع الفجر، وقام الرشيد إلى الصلاة، فألفاه نائمًا، فكشف اللحاف عن ظهره، وقال: كيف أصْبَحت؟ قال: يا هذا ما أصبحتُ بعد اذهب إلى عملك، قال: ويلك قم إلى الصلاة، قال: هذا وقت صلاة أبي الجارود، وأنا من أصحاب أبي يوسف القاضي، فمضى وتركه نائمًا، وتأهب الرشيد للصلاة، فجاءه غلامه فقال: أمير المؤمنين قد قام إلى الصلاة، فقام وألقى عليه ثيابه ومضى نحوه، فإذا الرشيد يقرأ في صلاة الصبح فانتهى إليه وهو يقرأ ﴿وَمَا لِي لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ (٣) فقال أين ابن أبي مريم: لا أدري والله وقد ملكك الدنيا كلها (٤)، فما تمالك الرشيد أن ضحك في صلاته ثم التفت إليه وهو كالمغضب، وقال: يا ابن أبي مريم في الصلاة أيضًا؟ قال: يا هذا وما صنعت قال: قطعت علي صلاتي، قال: والله ما فعلت، وإنما سمعت منك كلامًا غمّني حين قلت: ﴿وَمَا لِي لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ وقد ملكك الدنيا كلها، فقلت: لا أدري والله، فضحك الرشيد، ثم قال له: إياك والقرآن والدين، ولك ما شئت بعدهما.

وذُكر (٥) زيد بن علي الحسيني (٦) أن الرشيد (أراد) (٧) أن يشرب دواء فقال له ابن (٨) أبي مريم هل لك أن تجعلني حاجبك إذا أخذت الدواء وكل شيء اكتسبته بيني وبينك؟ فقال: أفعل، وبكر ابن أبي مريم ووضع له الكرسي، وأخذ الرشيد الدواء، فجاء رسول أم جعفر تسأل عنه فأوصله إليه تعرّف حاله وانصرف بالجواب، وقال: أعلم السيدة بما فعلتُ في الإذن لك قبل الناس، فأعلمها فبعثت إليه بمال كثير، ثم جاء رسول يحيى بن خالد ففعل به مثل ذلك، ثم جاء رسول جعفر والفضل ففعل ذلك، فبعث إليه كل واحد من البرامكة بصلةٍ جزيلة، ثم جاء رسول الفضل بين الربيع فردّه، وجاء رسل القوّاد والعظماء، فما سهّل إذن أحد منهم إلا بصلة جزيلة، فما صلّى العصر حتى صار له ستون ألف دينار. فلما نُقي الرشيد فقال له: ما صنعت


(١) تاريخ الطبري ٨/ ٣٤٩.
(٢) في الطبري: المدني.
(٣) سورة يس ٢٢.
(٤) في تاريخ الطبري: لا أدري والله. وما بعدها لم يرد فيه.
(٥) الخبر في تاريخ الطبري ٨/ ٣٥٠.
(٦) هو كما في الطبري: زيد بن علي بن حسين بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب.
(٧) زيادة يقتضيها سياق الكلام.
(٨) في الأصل: يا ابن أبي مريم، والتصويب عن الطبري.

<<  <  ج: ص:  >  >>