للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

النَّسَب القرشي، والأب الذي ليس معه شيء بمخشي، حتى قال: إنَّه من ولد خالد بن الوليد قولًا ردَّه النسابون، وصدّه أهل الصدق بما عرف به الكذابون. وقد أتى في ذكر بعض ولده من الكتاب ما ذهب مذهب التصريح معاريضه، وركبت ركوب الأبحر أعاريضه.

وهذا الأديب أصله من قيسارية الساحل، ومولده عكا، وأقام بها لا يزال يتشكى حظه وعكا ثم اضطرب في بلاد الشام وشقها طولًا وعرضًا، وشام بارقَها خَفْوًا وومضًا. ومدح الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي وحظي بجوائزه ثم تصرف ابنه في ملكه تصرف مالكه حائزه حتى بعثه نور الدين إلى السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب قدس الله روحه ظنًا أنَّه يضبط له حال مصر ويمتد له هناك قلم قطه صلاح الدين وغله بعدم التمكين فعاد بأقبح خزية وأبداها. وأخْيَب سفرة ما أقل جداها، ثم كان في هذا البيت من ذكر ممّن ذُمَّ أو شُكر، وكان هذا أصل تلك الدوحة، وأصل وأبكار تلك الغدوة والروحة، وكان في الهيأة ذا مشاركة لا تخطي في مساحتها إذا قسم، ولا تضيقُ في صدره ساحتها إذا توسم، وكان في الأدب حيث يستمك السنام، ويستمع قول الأنام، وكانت بينه وبين ابن منير الطرابلسي شحناء لا يسكن غليانها، وبغضاء لا تنقضي أحيانها، واستعدى ابن القيسراني الملك العادل نور الدين عليه فأباحه دمه، و وحلى وشاحه بسيف يضرب به عنقه، ويطيح دمه، وجعل له هذا السيف حكمًا ماضيًا، وحكمًا قاضيا، فتحيل ابن منير بحيل دققها، وَوُصَل اهتبل بها غرة ابن القيسراني ووطي عنقها حتى أخذ ذلك السيف وبخه بخل ثم رده إلى قرابه فَصَدِئ في القراب، ولصق به لصوقًا لا يفارقه إذا سله للضراب، ثم كان ابن منير في تلك المدّة يتحيّد ابن القيسراني ويقول قول الأريب: إن خيرًا لي يوم لا أرى الكلب ولا الكلب يراني حتى علم بأن سم كيده قد استحكم في جسم ذلك السيف، وأن جفن ذلك الغرار قد تملأ كرى لا حلم فيه ولا طيف، ثم تعرّض له في الطريق، وأتاه وهو بين حَفْدٍ له غير فرق من ذلك الفريق، فأومأ ابن القيسراني بيده إلى السيف ليخترطه فما انخرط، وخان عهده مقيمًا عذره في عدم الوفاء بأمه ما شرط، فضحك من حضر، وخجل ابن القيسراني خجلًا صار به مَثَلًا للبشر، وبلغ هذا نور الدين فقال: لو كان ابن القيسراني محقًا ما كف عن هذا ودمه هدر.

وأما ما يختار له، فقوله (١): [من الطويل]

كتائب تروي بالكتائبِ لفظُها … ظُبَاها وسُمر الخط فيها بنودها


(١) من قصيدة قوامها ١٠ أبيات في شعره ١٦١ - ١٦٢.

<<  <  ج: ص:  >  >>