خَطَّ العذار البديع أنه مما نسخ. وحصل جوائز الثناء من بعض ما به رَضَخ، وصاد المعاني وما امتدَّ له من النجوم شِباك ولا نُصِب له من الهلال فخّ. إمام في الغوص لا يُبلغ مبلغه، وغمام لا شيء يفرغه، ومورد فَضْل لك وارد يسوغه، ومقصد أمل أقل رتبة أنّه يبلغه. تفقه أول زمانه ثمّ تأدب، وتنبه به خصبُ التحصيل وما كان أجدب، وولي قضاء تستر، وعسكر مكرم، ووجد الكرامة من كل مكرم، وهو ممن أثنى عليه ابن سعيد ثناءً صريحًا، بل جعل له غناء لا يدع إلا مَنْ هو من فواضل غناه مستميحًا، [ … (١)] له حُلل هذا التقريظ الأريض، وحلي ذهب هذا الوميض، إذ كان لا يُلز بقرين في القريض، ولا يستفزّ بقريب ولا بعيد معه يفيض، من كل قصيدة تسكن الأوجَ والنجوم الحضيض، ومعنى أَسْحَرُ من الجفن الصحيح المريض، وأبعد في التصور من اجتماع النقيض والنقيض، بخاطر إناؤه بالذكاء يفيض، وقلب قراره للأذن مغيض، وذهن تطاير شرارًا، وفنّ تناثر كواكب لا تعدم الهلال سرارًا، وعني بجمع ديوان شعره العماد الأصفهاني الكاتب، وعلا به أشرف المراتب، ولأهل بلاد العجم فيه رغبة الضنين، وطربة الحنين، على أنه ليست من تراب العجم طينته، ولا إلى أتراب فارس سكينته، وإنَّما سكن بلاد فارس سَلَفُه فغلب على نسبه العربي نسبته العجمية حتى غطى على نهاره سُدَفُه.
قال العماد الكاتب في حقه في الخريدة (٢): « … . وهو وإن كان في العجم مولده فمن العرب مَحْتِدُه، سَلَفَه الكريم من الأنصار، لم يسمح بنظيره في سالف الأعصار أوسي الأس خزرجيه قسّيُّ النّطق إياديّه فارسي القلم، وفارس ميدانه، وسلمان برهانه من أبناء فارس نالوا العلم المتعلّق بالثريا، جمع بين العذوبة والطيب في الري والريا». انتهى كلام العماد.
ومختاره الذي لا يثلم له غرار، ولا يهدم له منار قوله (٣): [من الكامل]
علق القضيب مع الكَثِيبِ بقده … متجاذبين لحسنه وبهائه
حتى إذا خافا النزاع تراضيا … للفصل بينهما بعقد قبائِهِ
= طبقات الشافعية الكبرى للسبكي ٤/ ٥١ ٥٢، طبقات الشافعية للإسنوي ١/ ١١٠ - ١١٢، النجوم الزاهرة ٥/ ٢٨٥، تاريخ الخلفاء ٤٤٢، شذرات الذهب ٤/ ١٣٧، تاريخ الأدب العربي ٥/ ٣٣ - ٣٤، هدية العارفين ١/ ٨٤، سير أعلام النبلاء ٢٠/ ٢١٠ - ٢١١ رقم ١٣٤، عيون التواريخ ١٢/ ٤٢٢ - ٤٣٠، الوافي بالوفيات/ ٧/ ٣٧٣ - ٣٧٨، معاهد التنصيص ٣/ ٤١ والمنتظم ١/ ١٣٩ وفيات الأعيان ١/ ٤٧. الأعلام ١/ ٢١٥، معجم الشعراء للجبوري ١/ ١٩٢ - ١٩٣ وغيرها. (١) عبارة لم أستطع قراءتها. (٢) خريدة القصر - قسم فارس ٣/ ١٤٨. (٣) في قصيدة قوامها ٣٩ بيتًا في ديوانه ١/ ٣ - ٨.