للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

افترسوا، وبأسبابها عقدت ألسنتهم عن الجواب فخرسوا، فكأنما قيل لهم: ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ (٣٥) وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ (٣٦)(١) وإنما غرقوا في لج التبانة فصمتوا، وسمعوا صواعق الإبانة فخفتوا، فقلم كاتبهم عُود الناكت، وجواب بليغهم حيرة الساكت على أنهم قد راموا تصريف الخطاب فصرفوا، وعرفوا مكان فضله فاعترفوا، وتراءوه من مبارك العروج، فلمحوه في مارك البروج، واستنهضتهم الهمم إلى مداناته فعجزوا، ووعدوا هواجسهم التبلد فأنجزوا، ولن توجد آثار النوق في أوكار الأنوق، فهم يتأملون وميضه الآلق، ويحمدون الإله الخالق، على ما منحه سيدهم من الاقتدار، بدقيق الأفكار، على إعادة اليم كالغدير المسمى بالغدر، وإلحاق السها بالقمر ليلة البدر، ولم يزل الماشي العازم، أسرع من راكب الرازم، فكيف بمن امتطى به عزمه كند الريح، وحكم له سعده بالسعي النجيح، وخصه بارئه بطبع راض، صاعب الأغراض، حتى ذللها، وأنس بوحوش اللغات فأهلها، فصار حزن كلام العرب إذا نطق به سهلا، وركيكه إن أيده بصنعته قويًا جزلًا. فمثله مثل جارسة الحكلاء، تسمح بالمسائب الملاء، تطعم الغرب، وتجود بالضرب، وتجني مر الأنوار، فيعود شهدًا عند الاشتيار، وكالهواء في مذهب لا أعتقده، وقول من سواي يسدده، يجتذب أجزاء البخار، فيسقى من تحته عذب الأمطار. ومن لنا بأن اللفظ المشوف، يمثل عليه التمثيل من على الحروف، فعساها تبل بفقرة زاهرة، أو تظفر باستخراج لؤلؤة فاخرة. على أنه من العناء سؤال البرم، ورياضة الهرم وهيهات! بعدت محال الغفر الطالع، عن مزال العفر الطالع، وأعجز البارق يد السارق، وجلت الشموس عن سكنى الرموس، وهو - رزق لامه، ما رزق كلامه - أولى الناس، بإضاءة النبراس.

وقد كان فيما مضى قوم جعلوا الرسائل كالوسائل وتزينوا بالسجع، تزين المحول بالرجع، ما رقوا في درجته، ولا وضعوا قدمًا على محجته. لكنهم تعاينوا، فما تباينوا، وتناضلوا، فلم يتفاضلوا ولو طمعوا في الوصول إلى مثل هذه الفصول، لاختاروا الرتب على الرتب ورضوا اعتساف السبيل، وارتعاء الوبيل، ليدركوا بطلبهم ما أدرك عن غير جدّ، واغترفه من بديهه العد. وكلهم لو شاهده لرضي بأن يدعى السكيت في حلبة سيدنا فيها سابق الرهان وتمنى أن يكون زجًا في قناة هو منها موضع السنان، ولما وردت مع عبده موسى تلك الغرائب المونسة، والقلائد المنفسة، أبطلت كيد السحار، وعصفت بهشيم الأشعار، فوجد في وطنه أشباح أوزان تتخيل، وانقاء


(١) سورة المرسلات: الآية ٣٥ - ٣٦.

<<  <  ج: ص:  >  >>